وفى بيان تأويل هذه الآية: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } (المائدة:48) . يقول الطبري: أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك مصدقًا للكتب قبله وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها حافظًا لها .. وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب. يقال: رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده، قد هيمن فلان عليه، فهو يهيمن عليه وهو عليه مهيمن [1] بقوله ومهيمنًا: أي شاهدًا حفيظًا مصدقًا، وأمينًا رقيبًا عليه.
وعلى هذا فهيمنة القرآن على الكتب تعنى أنه جاء بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتب، وحافظًا لها، وشاهدًا وأمينًا عليها { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } .
(البقرة:143)
وتتجلى هيمنة القرآن، على الكتب السابقة بعد تأملنا في النصوص القرآنية على النحو التالي:
أ/ مفهوم هيمنته على الكتب السابقة:
فالقرآن مهيمن على الكتب السابقة بأن صدق نزولها من عند الله، وحفظ الأصول التي جاءت بها دعوة الأنبياء الذين نزلت عليهم، وهى دعوة التوحيد، وشهد على من آمن بها حين نزولها بأنهم ممن استجابوا لأمر الله، وعلى من كذب بأنهم ممن عصوه واستحقوا غضبه، وهو لا يزال قائمًا بهذا الحفظ والتصديق والشهادة، أمينًا قيِّما أخبر عنها وعن أهلها، رقيبًا على أن يُدعَّىَ عليها غير ما قال عنها، مؤتمن في ذلك كله .
وهذا معنى تصديقه لما سبقه من الكتب وهيمنته عليها، قوله تعالى: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } (المائدة:48) .
(1) تفسير الطبري 6/172 (3) وانظر البقاعى: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 6/180..