وكان القراء في الصدر الأول [1] يقرءون على الشيخ الواحد العدة من الروايات ، والكثير من القراءات ، كل ختمة برواية لا يجمعون رواية إلى غيرها ، حتى يقرءون كل روايات القرآن . واستمر الإفراد بتلاوة القرآن بالقراءات ، حتى القرن الخامس الهجري ، في عصر أبي عمرو الداني ، مؤلف التيسير في القراءات السبع ، ولم يكن يسمح أحد من الشيوخ بجمع القراءات في ختمة واحدة إلا لمن قرأ بالإفراد أولًا: روايةً روايةً حتى يتقن معرفة الروايات ، وقرأ لكل راوٍ ختمة كاملة ، ثم بعد ذلك ينتقل إلى جمع القراءات العشرة في ختمة كاملة.
ولما أراد أحد تلاميذ [2] الشاطبي رحمه الله القراءة عليه لم يقرأ قراءة واحدة من السبع إلا في ثلاث ختمات ، فكان إذا أراد قراءة ابن كثير مثلا: ] فلابد أولًا: أن [ يقرأ برواية البزي لابن كثير ختمة كاملة ، ثم يقرأ برواية الراوي الثاني لابن كثير ، وهو قنبل بختمة كاملة أيضًا ، ثم يجمع الروايتين في ختمة كاملة ، وهي قراءة ابن كثير حتى يكمل القراءات السبع في تسعة عشر ختمة ، ولم يبق عليه إلا رواية أبي الحارث ، وجمعه مع الدوري في ختمة كاملة ، وهي قراءة الكسائي .
وقال: إني لما أردت القراءة برواية أبي الحارث أمرني الشاطبي أن أقرأ بالجمع ، فلما انتهيت إلى سورة (الأحقاف) توفى الشاطبي رحمه الله رحمة واسعة.
فقال ابن الجزري: وهذا هو الذي استقر عليه العمل إلى زمن شيوخنا الذين أدركناهم ، ولا أعرف أحدًا قرأ بالجمع ، إلا بعد أن يفرد السبع في إحدى وعشرين ختمة ، والعشر كذلك .
المبحث الثالث
ظهور جمع القراءات ومذاهب الجمع
المطلب الأول: أول ظهور جمع القراءات .
المطلب الثاني: مذاهب جمع القراءات .
المطلب الأول
أول ظهور جمع القراءات
(1) انظر النشر في القراءات العشر 2/194 وما بعدها .
(2) هو: الكمال الضرير صهر الشاطبي ، انظر النشر في القراءات العشر ، 2/195 .