فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 191

فما هو شرٌّ عند هذا الأديب ربما كان خيرًا عند أديب آخر لتباينهما في النظرة الفردية الذاتية التي تُكوِّنها الثقافة وتبلورها العقيدة. وتكمن المشكلة في أن مفهوم الخير أو الشر معيار لتقييم كثير من السلوك البشري في الحاضر، كما أنه مطلب أخلاقي في الوقت نفسه، أيْ أنه رغبة في أن يتحقّق هذا الخير أو الشر. ومن ثمّ لا يصح أن تبقى النظرة إلى الواقع والمستقبل مقصورة على النظرة الفردية الذاتية، لأن هذه النظرة لا يضبطها ضابط موضوعي يُحدِّد صلة القيم المطروحة في الأدب بالممارسة الاجتماعية، ويوضِّح جانبها الإنساني العام. ويمكنني الادعاء بأن هذا الضابط الموضوعي هو (منظومة القيم) الواضحة المحدَّدة المستمدَّة من ماضي الأمة العربية الإسلامية، المعبِّرة عن حاضرها وتطلُّعها إلى المستقبل.

ولاشك في أننا لم نكن نملك، قبل بداية النصف الثاني من الثمانينات (4) ، أية محاولة عربية لصنع منظومة قيم خاصة بنا. وهذا أمر بديهي، لأن اقتراح هذه المنظومة يحتاج إلى تحديد معالم الهوية العربية، وإلى الخروج من مأزق التجزئة السياسية. ولنقل على سبيل الإيجاز إنّ مناقشات المثقفين العرب حول قضية الهوية بدأت تحمى وتتأجّج ابتداءً من أُخريات القرن التاسع عشر، في هيئة الأصالة (أو القديم) حينًا، وهيئة المعاصرة (أو: الحديث) حينًا آخر. ولم تكن محاولات التوفيق بين الأصالة والمعاصرة غائبة عن الفكر العربي، ولا ضعيفة فيه، لأنها انطلقت من التلازم بين العروبة والإسلام، وكان التراث في مفهوم الأمة العربية الإسلامية (5) مكوِّنًا من مكوِّنات الهوية وليس المكوِّن الوحيد لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت