إن تربية الإبداع لدى الطفل ممكنة إذن، بل إنه يمكن عدُّها هدفًا من الأهداف الرئيسة للتربية في الوطن العربي، على أن نفهم هذا الهدف في حدود الإعداد والتهيئة، ولا نفهمه في حدود القدرة على إنتاج شيء جديد نافع للمجتمع. ولكي يتّضح هذا الهدف ويبتعد عن اللبس لابدَّ من القول إنني أنظر إلى الموهوب والمبدع نظرة تراتبية، يقبع العبقري في أعلاها، يليه المبدع فالموهوب. والمجتمع، أيّ مجتمع، يضمّ قدرًا وافرًا من الموهوبين، وقدر أقلَّ من المبدعين، ويندر وجود العباقرة فيه عادة، لأن العبقري (بحكم تعريفه هو الشخص الذي يحرز للإنسانية انتصارًا في اتجاه ما لم تحرز مثله الغالبية العظمى من أبناء المجتمع) (6) . ويمكن القول، ضمن النظرة التراتبية، إن الموهوب يُقاس بمن هم في سنّه وعمره العقلي، في حين يُقاس المبدع بمن هم أكبر منه سنًّا وعمرًا عقليًا (7) ، وإن العبقري يتحرّر من قيود السنّ فيقدِّم إنتاجًا جديدًا أصيلًا لا يستطيع المبدع تقديمه. والمرجع في القياس السابق هو الدلالة الخارجية. إذ يُعرف الموهوب في الحقل الأدبي من تفوّقه في القراءة والتعبير، وميله إلى المطالعة وتذوّق الجمال في النصوص المكتوبة والمسموعة، وقدرته على مخاطبة الآخرين وإيصال أفكاره إليهم، وإسهامه في النشاط اللغوي العام، واندفاعه الذاتي للنقد والحكم والتحليل. ويُعرَف المبدع من تحلّيه عادة بالدلالات الخارجية السابقة الخاصة بالموهوب، إضافة إلى القدرة على الإنتاج الإبداعي الذي يتصف بالجدّة. ولكنّ الجدّة أمر نسبي وليس مطلقًا، ونسبيّتها واضحة في مرحلة الطفولة، إذ تعني فيها إنتاج الجديد بالنسبة إلى الأطفال وليس الجديد بالنسبة إلى الحقل الأدبي أو العلمي في بيئتهم. ومن المفيد أن أنصّ على أن الموهوب يصير مبدعًا، والمبدع يصير عبقّريًا، إذ توافر المناخ التربوي الملائم، وإلا فإن العبقرية تُعطِّل كما يُعطِّل الإبداع وتموت الموهبة.