فهرس الكتاب
ومن ثَمَّ لا يجد القارئ نفسه غريبًا في أثناء قراءة هذه القصص. وعلى الرغم من ذلك فإن هذا القارئ يتساءل عما إذا كانت حياته العلمية الصرف كفيلة بتحقيق إنسانيته، وعما إذا كانت هذه الحياة تخلو من اللطافة الروحية. وهذا السؤال جوهر الهوية: من أنا في هذا العصر التقني؟ ومن سأكون في المستقبل؟. ولعل هذا السؤال سيساعده على تحديد هويّته التي لا تخرج عن الموازنة بين الروح والمادة في أية حياة تضمن لأبنائها الحد الأدنى من رغد العيش. ويختلف مضمون السؤال إذا كان قارئ قصص الخيال العلمي من البلدان المتخلِّفة حضاريًا، لأن هذا القارئ يسأل سؤال الهوية نفسه مع اختلاف واضح في المضمون. فهو يتساءل في أثناء القراءة: أين أنا من هذا التقدم العلمي؟ وأين سأكون في المستقبل العلمي؟. وهو -بذلك- يُحدِّد هويته ضمن العالم المتخّلف، ويحدّد حجم الكارثة التي ستحلّ به في المستقبل إذا استمر على هذه الحال من التخلُّف العلمي. ولعله يعي أنه أكثر روحانية من الحد المطلوب للحياة في المجتمع الحديث، وأقلّ مادية من الحد الأدنى اللازم للنهوض بالحياة في العالم الثالث. وأعتقد بأن تحديد الهوية على النحو السابق ينفي القول إن قصص الخيال العلمي تسهم في ترسيخ التخلُّف لدى القارئ المتخلّف، لأنها تجعله يدرك عجزه عن اللحاق بركب الأمم المتقدّمة وتضعه أمام عالم تقني حديث يتقدَّم بسرعة هائلة وهي البطيء العاجز عن الحركة الحرّة. ومسوّغ النفي هنا هو أن المجتمع المتخلّف ليس مجتمعًا سكونيًا بمعنى الخلو من الحركة، بل هو كذلك بمعنى سكون السطح الخارجي والأشكال الظاهرية، وغليان الأعماق وتحفُّزها للحركة. ومن ثَمَّ هناك احتمال كبير لإسهام قصص الخيال العلمي في دفع الغليان من الأعماق إلى السطح، وتحريض الحركة الداخلية الكامنة على أن تصير حركة خارجية فاعلة.