فهرس الكتاب
ولابدَّ، قبل الحديث عن هذه المشكلات، من الإشارة إلى أنني أتحدَّث عن الطفل السوي وليس المعوق الذي يعاني من مشكلات التخلُّف في القراءة نتيجة أسباب جسدية (1) كضعف البصر، أو نفسية كتشتُّت الانتباه، أو عقلية كالقصور في الفهم والإدراك (2) . ذلك لأن مشكلات القراءة لدى المعوقين ذاتية لها علاجها الطبيّ والنفسيّ، أما الأطفال الأسوياء فهم الذين لا يعانون من أية مشكلة تعوقهم عن القراءة ولكنهم لا يقرؤون، أو يقرؤون قليلًا، لأسباب ترجع إلى الكتاب والمكتبة والتربية والمدارس الخلفية.
1-المشكلات النابعة من التربية:
القراءة مهارة لغوية تُعْنى بتحليل الرموز المكتوبة وإعادة تركيبها. ولا يستطيع القارئ فهم معنى الكلمة إذا لم يتمكّن من تحليل رموزها وإعادة تركيبها. ولهذا السبب عُدَّت القراءة عملية نفسية لغوية معقَّدة، تبعًا لارتباطها بعدد من المهارات العقلية كالإدراك والتذكُّر والفهم والاستنتاج. ولا أشك في أن التعليم في المدارس العربية غفل عن هذا الأمر يومًا، بل إنني أدّعي أن المعلمين العرب فهموا القراءة على أنها عملية تعليم الحروف متَّصلة ومنفصلة ونطها نطقًا سليمًا، وتزويد الطفل بزاد من الألفاظ يلبّي حاجة النموّ اللغوي لديه. وهذا المستوى، مستوى معرفة آلية القراءة، لا يعاني من قصور نوعي، ولكن مشكلة القراءة لدى الأطفال العرب تبدأ منه. ذلك أننا لا نُعلِّم القراءة لذاته، بل نعلِّمها لتكون وسيلة الطفل لفهم الحياة والتكيُّف مع تطوّرها. أيْ أننا نريد لقراءة الطفل أن تُحقِّق وظائفها المعرفية والنفسية والاجتماعية، فتصله بأفكار الآخرين وتساعده على التكيُّف النفسي معهم، وتُنمّي ميوله واهتماماته. ولا يتحقّق هذا كله إذا لم يكن رصيد الطفل اللغوي كافيًا لدفعه إلى القراءة. والقضية هنا جدلية، فزيادة الثروة اللغوية تساعد على فهم النصوص المقروءة، وممارسة القراءة تزيد الثروة اللغوية.