وهذا بلا ريب مغامرة ومجاسرة لا تليق بأهل العلم وإن وقع فيها بعضهم. وهؤلاء من أولئك الذين قال الله فيهم وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل/116] . لأن الذي له التحليل والتحريم لم ينبئهم بما قالوه ولا نصب لهم دليلًا عليه،ولا بحثوا في المسألة ولا تأمّلوا بما فيه الكفاية، فوصفوها بحكم تسرّعًا وتعجّلًا من غير تدقيق ولا تحقيق، فشملهم التحذير ، وليس المراد بقوله تعالى لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أنهم قصدوا الافتراء على الله أو تعمّدوا الكذب عليه تبارك وتعالى، فليست اللام هنا لام علة وإنما هي لام العاقبة، والمقصود منها تنزيل الحاصل المحقّق حصولُه بعدَ الفعل منزلةَ الغرض المقصود من الفعل [1] .
وهؤلاء كان أمرهم كذلك.
[2] الإطلاق والتعميم:
وبعض الناظرين إلى المستجدات في تعاملهم معها لا قدرة لهم على التفصيل والتبيين، وإنما طريقتهم المثلى إطلاق الحكم وتعميمه دون مراعاة لفوارق المكلفين، أو أحوال المتنسكين، أو قيود التحريم ونفيه، وغاية أمرهم أن ينزّلوا عموم النصّ على عموم الناس، ومطلق الدلالة على مطلق النازلة.
غير أن الصحيح الذي يجب أن يتبعه هؤلاء، والصواب الذي يجب أن يتخذوه سبيلًا هو معرفة أن هناك ثمّة فرق بين الحكم ومحله، فالحكم أصله العموم بينما المحل أصله الخصوص، والتوفيق بين تحصيل الحكم وتنزيله هو الفقه الذي يُمدَح أهله وأصحابه ويرفع أقوامه ويُطلب أحواله، وبغير ذلك يقع التقصير أو القصور عن حكم المستجد والنازلة.
... فكم ممن يعمم حكم التحريم لكل تأمين، ولم يفرّق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني..
(1) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ، تفسير الآية 116 من سورة النحل.