ولذلك ما من شيء في هذه الحياة إلا ويجب على الأمّة أن يحكموا عليها بمقتضى الشرعة، وما من تصرّف أو سلوك أو تعامل أو غيره إلاّ وواجب المسلمين أن يعرفوا هل هو موافقٌ للشرع أو مخالف له؟ هل يصحّ أو لا ؟ هل يجوز أو لا ؟.
وهذا يعني أمرين مهمّين للغاية:
الأمر الأول:
أنه يجب أنْ نعتقد أنّ كل ما يقع من الحوادث والوقائع والمستجدات للناس لا بدّ أن يكون لها في شريعة الإسلام من حكم، فهي إما واجبة أو مندوبة أو محرّمة أو مكروهة أو مباحة أو صحيحة أو باطلة.
ولا يجوز أن يظنّ أحد أو يعتقد مسلمٌ أنّ ما يقع من المستجدات والحوادث الجديدة لا دخل للشريعة بها، أو لا يوجد في الشريعة حكمٌ لها، لأنّه اعتقاد يفسده عموم شريعة الإسلام للعالمين وصلاحها لهم في كل زمان ومكان. [1]
ولا يعني صلاح الشريعة لكل زمان ومكان سوى قدرتها على استيعاب سائر تصرفات الناس وتعاملاتهم في أحكامها.
(1) حكي الإمام الجويني عن الإمام الباقلاني رحمه الله القول بخلو الواقعة عن حكم الله تعالى بحجة أن"مآخذ الأحكام محصورة مضبوطة من الكتاب والسنة والإجماع، والوقائع لا تنضبط ولا تتناهى ويستحيل أن يرد مالا يتناهى إلى ما يتناهى". وأخشى أن تكون هذه الحكاية مخرّجة من قوله هذا لا من صريح ما قال، ومقالته تلك ربما قصد بها أنّ الواقعة حين وقوعها لا يكون لها حكم، وربما قصد بها الاستدلال بالعقل وضرورة الحال إلى القياس والمعقول فوق المنقول من الكتاب والسنة والإجماع، وهي حجة كثير ممن استدل للحاجة إلى القياس من الأصوليين، ويمكن أن يراجع في هذا على سبيل المثال: الموافقات للشاطبي ج4ص345 وما بعدها، أعلام الموقعين لابن القيم ج4 ص 204 ، البحر المحيط للزركشي ج6 ص 196، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد، ج1 ص 11. وراجع ما نقله الجويني وما ردّ ره عليه في البرهان في أصول الفقه ، ج2 ص1348-1350، الفقرة 1527-1529.