فهرس الكتاب
وقد وظِّف اطمئنان جمهور المسلمين وثقتهم في أسلافهم من الصحابة والتابعين من رواة الحديث لتوضيح الرؤى وتعميق المفاهيم الدينية بطريقة مبسطة ، تنفذ إلى قلوبهم بواسطة ما يروى لهم من قصص طريفة ومشوقة ، تبقى في الأذهان طويلًا ، مستفيدين من غريزة حب الاستطلاع عند المتلقين ، وشغف العامة الطبيعي لسماع القصص ، وإلحاحها في استفسار ما غمض عنها ، وحاجتها لسماع التفاصيل عما لم يفصل في أمرها القرآن الكريم ؛ لاسيما وأن هذه القصص لا ترد في الأحكام الشرعية والتكاليف ونحوها ، بل تلازم عادة الجوانب الغيبية وسير الماضين ومواضيع الترهيب والترغيب وفي كل ما لا يترتب عليه تحريم أو تحليل . الأمر الذي مكَّن القصاص والإخباريين من تقديم مادة هذه الروايات ممزوجة بمعارف اليهود وأخبارهم خاصة ، وأخبار الأمم السابقة ، وتعددت الجوانب التي لجأوا فيها إلى هؤلاء الإخباريين من ذلك ما أوردوه من روايات عن معنى (النون) في قوله تعالى: ( نْ ، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ؛ جاء في كتاب ( البدء والتاريخ ) :"أن الله تعالى لما خلق الأرض كانت تكفأ كما تكفأ السفينة ؛ فبعث الله ملكا ؛ فهبط حتى دخل تحت الأرض ، فوضع الصخرة على عاتقه ، ثم أخرج يديه إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب ، ثم قبض على الأرضين السبع فضبطها ؛ فاستقرت ، ولم يكن لقدمه قرار ، فأهبط الله ثورا من الجنة له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة ، فجعل قرار قدمي الملك على سنامه ، فلم تصل قدماه إليه ، فبعث الله ياقوتة خضرآء من الجنة ، غلظها مسيرة كذا ألف عام ، فوضعها على سنام الثور، فاستقرت عليها قدماه ، وقرون الثور خارجة من أقطار الأرض مشبكة تحت العرش ، ومنخر الثور في ثقبين من تلك الصخرة تحت البحر ، فهو يتنفس كل يوم نفسين ، فإذا تنفس مد البحر ، وإذا رد نفسه جزر البحر ."