فهرس الكتاب
فأخبر سبحانه أنهم أخذوا الغرض الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم وقالوا سيغفر لنا, وان عرض لهم عرض آخر أخذوه فهم مصرون على ذلك, وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق, فيقولون هذا حكمه وشرعه ودينه وهم يعلمون أن حكمه وشرعه ودينه خلاف ذلك, أو لا يعلمون أن ذلك دينه وشرعه وحكمه؟ فتارة يقولون على الله ما لا يعلمون, وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانه, وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا, فلا يحملهم حب الرئاسة والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة. وطريق ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسنة, ويستعينوا بالصبر والصلاة, ويتفكروا في الدنيا وزوالها وخستها, والآخرة اقبالها ودوامها, وهؤلاء لا بد أن يبتدعوا في الدين مع الفجور في العمل فيختمع لهم الأمران, فان اتباع الهوى يعمى عين القلب, فلا يميز بين السنة والبدعة, أو ينكسه فيرى البدعة سنة, والسنة بدعة.
فهذه آفة العلماء اذا آثروا الدنيا, واتبعوا الرئاسات والشهوات. وهذه الآيات فيهم الي قوله: { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} الأعراف 175-176. فهذا مثل عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه.
وتأمّل ما تضمنته هذه الآية من ذمه, وذلك من وجوه:
أحدها: أنه ضل بعد العلم, واختار الكفر على الايمان عمدا لا جهلا.
وثانيها: أنه فارق الايمان مفارقة من لا يعود اليه أبدا, فانه انسلخ من الآيات بالجملة, كما تنسلخ الحية من قشرها, ولو بقي معه منها شيء, لم ينسلخ منها.
وثالثها: أن الشيطان أدركه ولحقه, بحيث ظفر به وافترسه, ولهذا قال: {فأتبعه الشيطان} , ولم يقل تبعه, فان معنى أتبعه أدركه ولحقه, وهو أبلغ من تبعه لفظا ومعنى.