فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 246

ورابعها: أنه غوي بعد الرشد. والغي: الضلال في العلم والقصد, وهوأخص بفساد القصد والعمل كما أن الضلال أخص بفساد العلم والاعتقاد. فاذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر, وان اقترنا فالفرق ما ذكر.

وخامسها: أنه سبحانه لم يشأ أن يرفعه بالعلم فكان سبب هلاكه, لأنه لم يرفع به فصار وبالا عليه, فلو لم يكن عالما لكان خيرا له وأخف لعذابه.

وسادسها: أنه سبحانه أخبر عن خسة همته, وأن اختار الأسفل الأدنى على الأشرف الأعلى.

وسابعها: أن اختياره للأدنى لم يكن عن خاطر وحديث نفس, ولكنه كان عن اخلاد الى الأرض, وميل بكليّته الى ما هناك, وأصل الاخلاد اللزوم على الدوام, كأنه قيل: لزم الميل الى الأرض, ومن هذا يقال: أخلد فلان بالمكان اذا لزم الاقامة به, قال مالك بن نويرة (مرتد قتله ضرار بن الأزور) :

بأبناء حي من قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا

وعبّر عن ميله الى الدنيا باخلاده الى الأرض, لأن الدنيا هي الأرض وما فيها وما يستخرج منها من الزينة والمتاع.

وثامنها: أنه رغب عن هداه, واتبع هواه, فجعل هواه اماما له, يقتدي به ويتبعه.

وتاسعها: أنه شبهه بالكلب الذي هو أخس الحيواناتهمة, وأسقطها نفسا, وأبخلها وأشدها كلبا, ولهذا سمي كلبا.

وعاشرها: أنه شبه لهثه على الدنيا, وعدم صبره عنها, وجزعه لفقدها, وحرصه على تحصيلها, بلهث الكلب في حالتي تركه والحمل عليه بالطرد, وهكذا. هذا ان ترك فهو لهثان على الدنيا, وان وعظ وزجر فهو كذلك. فاللهث لا يفارقه في كل حال كلهث الكلب.

قال ابن قتيبة: كل شيء يلهث فانما يلهث من اعياء أو عطش الا الكلب في حال الكلال (الأكل) , وحال الراحة, وحال الري, وحال العطش, فضربه الله مثلا لهذا الكافر فقال: ان وعظته فهو ضال, وان تركته فهو ضال, وان تركته فهو ضال كالكلب ان طردته لهث, وان تركته على حاله لهث. وهذا التمثيل لم يقع بكل كلب, وانما وقع بالكلب اللاهث, وذلك أخس ما يكون وأشنعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت