فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 246

[60] احذروا فتنة العالم الفاجر وفتنة العابد الجاهل

فهذا حال العالم المؤثر الدنيا على الآخرة, وأما العبد الجاهل فآفته من اعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خياله وذوقه ووجده وما تهواه نفسه. ولهذا قال سفيان بن عيينة وغيره: احذروا قتنة العالم الفاجر, وفتنة العابد الجاهل, فان فتنتهما فتنة لكل مفتون, فهذا بجهله يصد عن العلم وموجبه, وذاك بغيّه يدعو الى الفجور.

وقد ضرب الله سبحانه مثل النوع الآخر بقوله: { كمثل الشيطان اذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال اني بريء منك اني أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين} الحشر 16-17, وقصته معروفة, فانه بنى أساس أمره على عبادة الله بجهل, فأوقعه الشيطان بجهله, وكفّره بجهله. فهذا امام كل عابد جاهل يكفر ولا يدري, وذاك امام كل عالم فاجر, يختار الدنيا على الآخرة.

وقد جعل سبحانه رضى العبد بالدنيا, وطمأنينته وغفلته عن معرفة آياته, وتدبرها والعمل بها, سبب شقائه وهلاكه, ولا يجتمع هذان, أعني الرضا بالدنيا والغفلة عن آيات الرب الا في قلب من لا يؤمن بالمعاد, ولا يرجو لقاء رب العباد, والا فلو رسخ قدمه في الايمان بالمعاد, لما رضي الدنيا, ولا اطمأن اليها, ولا أعرض عن آيات الله.

وأنت اذا تأملت أحوال الناس وجدت هذا الضرب هو الغالب على الناس وهم عمّار الدنيا. وأقل الناس عددا من هو على خلاف ذلك, وهو من أشد الناس غربة بينهم, لهم شأن وله شأن, علمه غير علومهم, وارادته غير ارادتهم, وطريقه غير طريقهم, فهو في واد وهم في واد, قال تعالى: {ان الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } يونس 8,7.

ثم ذكر وصف ضد هؤلاء ومآلهم وعاقبتهم بقوله: {ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم } يونس 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت