فهرس الكتاب
ولما بعد العهد بهذا العلم آل الأمر بكثير من الناس الى أن يتخذوا هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما, ووضعوا فيها الكتب, وأنفقوا فيها الأنفاس, فضيعوا فيها الزمان, وملأوا بها الصحف مدادا, والقلوب سوادا, حتى صرح كثير من الناس منهم أنه ليس في القرآن والسنة علم, وأن أدلتهما لفظية لا تفيد يقينا ولا علما. وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم, وأذن بها بين أظهرهم, حتى أسمعها دانيهم لقاصيهم, فانسلخت بها القلوب من العلم والايمان كانسلاخ الحية من قشرها, والثوب عن لابسه.
قال الامام العلامة شمس الدين ابن القيم: ولقد أخبرني بعض أصحابنا عن بعض أتباع أتباع تلاميذ هؤلاء أنه رآه يشتغل في بعض كتبهم ولم يحفظ القرآن, فقال له: لو حفظت القرآن أولا كان أولى, فقال: وهل في القرآن علم.
قال ابن القيم: وقال لي بعض أئمة هؤلاء: اننا نسمع الحديث لأجل البركة لا لنستفيد منه العلم لأن غيرنا قد كفانا هذه المؤونة فعمدتنا على ما فهموه وقرروه, ولا شك أن من كان هذا مبلغه من العلم فهو كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبطحاء أبعد منزل
قال: وقال لي شيخنا مرة في وصف هؤلاء:
انهم طافوا على أرباب المذاهب ففازوا بأخس الطلب, ويكفيك دليلا على أن هذا الذي عندهم ليس من عند الله, ما ترى فيه من التناقض والاختلاف ومصادمة بعضه لبعض, قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} النساء82, وهذا يدل على أن ما كان من عنده سبحانه لا يختلف, وأن ما اختلف وتناقض فليس من عنده, وكيف تكون الآراء والخيالات وسوانح الأفكار دينا يدان به ويحكم به على الله ورسوله, سبحانك هذا بهتان عظيم.