فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 246

وقد كتبوا الى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسألة أيهما أفضل: رجل لم تخطر له الشهوات ولم تمر بباله, أو رجل نازعته اليها نفسه فتركها لله؟ فكتب عمر: ان الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله عز وجل من: { الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم} , ذكره ابن كثير في التفسير 4\207 وعزّاه للامام أحمد في كتاب الزهد واسناده منقطع لأن مجاهد بن جبر لم يسمعه عن عمر بن الخطاب.

وهكذا من عرف البدع والشرك والباطل وطرقه فأبغضها لله, وحذرها وحذّر منها, ودفعها عن نفسه, ولم يدعها تخدش وجه ايمانه, ولا تورثه شبهة ولا شكا, بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له, وكراهة لها ونفرة عنها, أفضل ممن لا تخطر بباله ولا تمر بقلبه. فانه كلما مرت بقلبه وتصورت له ازداد محبة للحق ومعرفة بقدره وسرورا به, فيقوى ايمانه بها. كما أن صاحب خواطر الشهوات والمعاصي كلما مرت به فرغب عنها الى ضدها وازداد محبة لضدها ورغبة فيه, وطلبا له وحرصا عليه, فما ابتلى الله سبحانه عبده المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي وميل نفسه اليها الا ليسوقه بها الى محبة ما هو أفضل منها, وخير له وأنفع وأدوم, وليجاهد نفسه على تركها له سبحانه, فتورثه تلك المجاهدة الوصول الى المحبوب الأعلى. فكلما نازعته نفسه الى تلك الشهوات واشتدت ارادته لها وشوقه اليها: صرف ذلك الشوق والمحبة والارادة الى النوع العالي الدائم, فكان طلبه له أشد وحرصه عليه أتم, بخلاف النفس الباردة الخالية من ذلك, فانها وان كانت طالبة للأعلى لكن بين الطلبين فرق عظيم. ألا ترى أن من مشى الى محبوبه على الجمر والشوك أعظم ممن مشى اليه راكبا على النجائب! فليس من آثر محبوبه على منازعه مع نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها الى غيره, فهو سبحانه يبتلي عبده بالشهوات, اما حجابا له عنه, أو حاجبا له يوصله الى رضاه وقربه وكرامته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت