فهرس الكتاب
والأمر الثاني: أن العبد آمن بالكتاب واهتدى به مجملا وقبل أوامره وصدق بأخباره, وكان ذلك سببا لهداية أخرى تحصل له على التفصيل. فان الهداية لا نهاية لها ولو بلغ العبد فيها ما بلغ, ففوق هدايته هداية أخرى وفوق تلك الهداية هداية أخرى الى غير غاية. فكلما اتقى العبد ربه ارتقى الى هداية أخرى, فهو من مزيد هداية ما دام في مزيد من التقوى. وكلما فوّت حظا من التقوى فاته حظ من الهداية بحسبه, فكلما اتقى زاد هداه, وكلما اهتدى زادت تقواه. قال تعالى: { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه ويهديهم الى صراط مستقيم} المائدة 16,15, وقال تعالى: { الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب} الشورى 13, وقال تعالى: { سيذّكّر من يخشى} الأعلى 10, وقال: { وما يتذكّر الا من ينيب} غافر 13, وقال: { ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم} يونس 9.
فهداهم أولا للايمان, فلما آمنوا هداهم للايمان هداية بعد هداية, ونظير هذا قوله تعالى: { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} مريم 76, وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقاناْ الأنفال 29, ومن الفرقان ما يعطيهم من النور الذي يفرقون به بين الحق والباطل, والنصر والعز الذي يتمكنون به من اقامة الحق وكسر الباطل, فسر القرآن هذا بهذا. وقال تعالى: ان في ذلك لآية لكل عبد منيب} سبأ9, وقال: { ان في ذلك لآيات لكل صبّار شكور} 31 من سورة لقمان, والأية 5من سورة ابراهيم, والآية 19 من سورة سبأ و33من سورة الشورى.