فهرس الكتاب
اذا رأيت النفوس المبطلة الفارغة من الارادة والطلب لهذا الشأن قد تشبث بها هذا العالم السفلي وقد تشبثت به فكلها اليه, فانه اللائق بها لفساد تركيبها, ولا تنقش عليها ذلك فانه سريع الانحلال عنها, ويبقى تشبثها به مع انقطاعه عنها عذابا عليها بحسب ذلك التعلّق, قتبقى شهوتها وارادتها فيها, وقد حيل بينها وبين ما تشتهي على وجه يئست معه من حصول شهوتها ولذتها. فلو تصوّر العاقل ما في ذلك من الألم والحسرة لبادر الى قطع هذا التعلق كما يبادر الى حسم مواد الفساد, ومع هذا فانه ينال نصيبه من ذلك وقلبه وهمه متعلق بالمطلب الأعلى, والله المستعان.
[78] ايّاك والكذب
ايّاك والكذب فانه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه, ويفسد عليك تصويرها وتعليمها للناس, فان الكاذب يصور المعدوم موجودا والموجود معدوما, والحق باطلا, والباطل حقا, والخير شرا, والشر خيرا, فيفسد عليه تصوره وعلمه. ونفس الكاذب معرضة عن الحقيقة الموجودة نزاعة الى العدم مؤثرة للباطل. واذا فسدت عليه قوة تصوره وعلمه التي هي مبدأ كل
فعلى ارادي, فسدت عليه تلك الأفعال وسرى حكم الكذب اليها فصار صدورها عنه كصدور الكذب على اللسان, فلا ينتفع بلسانه ولا بأعماله.
ولهذا كان الكذب أساس الفجور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: { ان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار} البخاري في الأدب 10\507 رقم 6094 ومسلم , وأبو داود وأحمد. وأول ما يسري الكذب من النفس الى اللسان فيفسده, ثم يسري الى الجوارح فيفسد عليها أعمالها كما أفسد على اللسان أقواله, فيعم الكذب أقواله وأعماله وأحواله, فيستحكم عليه الفساد ويترامى داؤه الى الهلكة ان لم يتداركه الله بدواء الصدق يقلع تلك المادة من أصلها.