فهرس الكتاب
اللذة تابعة للمحبة, تقوى بقوتها وتضعف بضعفها, فكلما كانت الرغبة في المحبوب والشوق اليه أقوى كانت اللذة بالوصول اليه أتم والمحبة والشوق تابع لمعرفته والعلم به, فكلما كان العلم به أتم كلنت محبته أكمل, فاذا رجع كمال النعيم في الآخرة وكمال اللذة الى العلم والحب, فمن كان يؤمن بالله وأسمائه وصفاته ودينه أعرف, كان له أحب, وكانت لذته بالوصول اليه ومجاورته والنظر الى وجهه وسماع كلامه أتم. وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة بالاضافة الى ذلك كقطرة في بحر, فكيف يؤثر من له عقل لذة ضعيفة قصيرة مشوبة بالآلام على لذة عظيمة دائمة أبد الآباد؟! وكمال العبد بحسب هاتين القوتين: العلم والحب, وأفضل العلم العلم بالله, وأعلى الحب الحب له, وأكمل اللذة بحسبهما. والله المستعان.
[28] (قاعدة)
حبسان منجيان
طالب الهه والدار الآخرة لا يستقيم له سيره وطلبه الا بحبسين. حبس قلبه في طلبه ومطلوبه, وحبسه عن الالتفات الى غيرة. زحبس لسانه عما لا يفيده, وحبسه على ذكر الله وما يزيد في ايمانه ومعرفته. وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات, وحبسها على الواجبات والمندوبات, فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السجن الى أوسع فضاه وأطيبه. ومتى لم يصبر على هذين الحبسين وفر منهما الى فضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا, فكل خارج من الدنيا اما متخلص من الحبس واما ذاهب الى الحبس. وبالله التوفيق.
ودّع ابن عون رجلا فقال: عليك بتقوى الله, فان المتقى ليست عليه وحشة.
وقال زيد بن أسلم: كام يقال: من اتقى الله أحبه الناس وان كرهوا.
وقال الثوري لابن أبي ذئب: ان اتقيت الله كفاك الناس, وان اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئا.
وقال سليمان بن داود: أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا, وعلّمنا مما علّم الناس ومما لم يعلموا, فلم نجد شيئا أفضل من تقوى الله في السر والعلانية, والعدل في الغضب والرضا, والقصد في الفقر والغنى.