فهرس الكتاب
واذا تجلى بصفات السمع والبصر والعلم, انبعثت من العبد قوة الحياء, فيستحي من ربه أن يراه على ما يكره, أو يسمع منه ما يكره, أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه, فتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع, غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى.
واذا تجلى بصفات الكفاية والحسب, والقيام بمصالح العباد, وسوق أرزاقهم اليهم, ودفع المصائب عنهم, ونصره لأوليائه, وحمايته لهم, ومعيته الخاصة اهم, انبعثت من العبد قوة التوكل عليه, والتفويض اليه, والرضا به في كل ما يجريه على عبده, ويقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه. والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله, وحسن اختياره لعبده, وثقته به, ورضاه بما يفعله ويختاره له.
واذا تجلى بصفات العز والكبرياء, أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت اليه من الذل لعظمته, والانكسار لعزته, والخضوع لكبريائه, وخشوع القلب والجوارح له, فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه وسمته, ويذهب طيشه وقوته وحدته.
وجماع ذلك: أنه سبحانه يتعرف الى العبد بصفات الهيته تارّة, وبصفات ربوبيته تارة, فيوجب له شهود صفات الالهية المحبة الخاصة, والشوق الى لقائه, والأنس والفرح به, والسرور بخدمته, والمنافسة في قربه, والتودد اليه بطاعته, واللهج بذكره, والفرار من الخلق اليه, ويصير هو وحده همه دون ما سواه. ويوجب له شهود صفات الربوبية والتوكل عليه, والافتقار اليه, والاستعانة به, والذل والخضوع والانكسار له.
وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته في الهيته, والهيته في ربوبيته, وحمده في ملكه, وعزه في عفوه, وحكمته في قضائه وقدره, ونعمته في بلائه, وعطاءه في منعه, وبره ولطفه واحسانه ورحمته في قيوميّته, وعدل في انتقامه, وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه. ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه, وعزه في رضاه وغضبه, وحلمه في امهاله, وكرمه في اقباله, وغناه في اعراضه.