فهرس الكتاب
وتارة يكون من جهة كون تلك الحقائق وان كانت مرادة, فهي ثابتة في نفس الأمر, أو أوهم أنها مرادة لضرب من المصلحة.
فكل هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن, وهم يعلمون ذلك من نفوسهم ويجدونه في صدورهم. ولا تجد مبتدعا في دينه قط الا وفي قلبه حرج من الآيات التي تخالف بدعته. كما أنك لا تجد ظالما فاجرا الا وفي صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين ارادته.
تدبّر هذا المعنى ثم ارضى لنفسك بما تشاء.
[46] (فائدة)
كمال النفس المطلوب
كمال النفس المطلوب ما تضمن أمرين:
أحدهما: أن يصير هيئة راسخة وصفة لازمة لها.
الثاني: أن يكون صفة كمال في نفسه. فاذا لم يكن كذلك لم يكن كمالا, فلا يليق بمن يسعى في كمال نفسه المنافسة عليه, ولا الأسف على فوته, وذلك ليس الا معرفة بارئها وفاطرها ومعبودها والهها الحق الذي لا صلاح لها ولا نعيم ولا لذة الا بمعرفته, وارادة وجهه, وسلوك الطريق الموصلة اليه, والى رضاه وكرامته. وأن تعتاد ذلك فيصير لها هيئة راسخة لازمة. وما عدا ذلك من العلوم والارادات والأعمال فهي بين ما لا ينفعها ولا يكملها, وما يعود بضررها ونقصها وألمها, ولا سيما اذا صار هيئة راسخة لها, فانها تتعذب وتألم به بحسب لزومه لها.
وأما الفضائل المنفصلة عنها كالملابس والمراكب والمساكن والجاه والمال, فتلك في الحقيقة عوار أعيرتها مدة, ثم يرجع فيها المعير, فتتألم وتتعذب برجوعه فيها بحسب تعلقها بها, ولا سيما اذا كانت هي في غاية كمالها, فاذا سلبتها أحضرت أعظم النقص والألم والحسرة فليتدبر من يريد سعادة نفسه ولذتها هذه النكتة, فأكثر هذا الخلق انما يسعون في حرمان نفوسهم وألمها وألمها وحسرتها ونقصها من حيث يظنون أنهم يريدون سعادتها ونعيمها.