فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 246

والعمل: نقل صورة علمية من النفس واثباتها في الخارج. فان كان الثابت في النفس مطلقا للحقيقة في نفسها فهو علم صحيح. وكثيرا ما يثبت ويتراءى في النفس صورة ليس لها وجود حقيقي, فيظنها الذي قد أثبتها في نفسه علما, وانما هي مقدرة لا حقيقة لها. وأكثر علوم الناس من هذا الباب. وما كان منها مطابقا للحقيقة في الخارج فهو نوعان: نوع تكمل النفس بادراكه والعلم به, وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وكتبه وأمره ونهيه. ونوع لا يحصل للنفس به كمال, وهو كل علم لا يضر الجهل به فانه لا ينفع العلم به.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع, جزء من حديث أخرجه مسلم في الذكر والدعاء 4\2088 (73) ,وأبو داود, والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد. وهذا أكثر حال العلوم الصحيحة المطابقة التي لا يضر الجهل بها شيئا, كالعلم بالفلك ودقائقه ودرجاته, وعدد الكواكب ومقاديرها. والعلم بعدد الجبال وألوانها ومسحتها وما نحو ذلك.

فشرف العلم بجسب شرف معلومه وشدة الحاجة اليه. وليس ذلك الا العلم بالله وتوابع ذلك. وأما العلم فآفته عدم مطابقته لمراد الله الديني الذي يحبه الله ويرضاه, ويكون ذلك من فساد العلم تارّة, ومن فساد الارادة تارّة. ففساده من جهة العلم أن يعتقد أن هذا مشروع محبوب لله وليس كذلك, أو يعتقد أنه يقرّبه الى الله وان لم يكن مشروعا, فيظن أنه يتقرب الى الله بهذا العمل, وان لم يعلم أنه مشروع.

وأما فساده من جهة القصد فانه لا يقصد به وجه الله والدار الآخرة, بل يقصد به الدنيا والخلق.

وهاتان الآفتان في العلم والعمل لا سبيل الى السلامة منهما الا بمعرفة ما جاء به الرسول في باب العلم والمعرفة وارادة وجه الله والدار الآخرة في باب القصد والارادة. فمتى خلا من هذه المعرفة وهذه الارادة فسد علمه وعمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت