الصفحة 16 من 34

من الثوابت التي لا ينازعها الشك أن كل نحوي لا بد أن يتبنى منهجا خاصا به يضفي عليه تكوينه وشخصيته وهذا ما فعله صاحبنا عند تأليفه, فمؤلفاته تعبر تعبيرا صادقا عن ملامحه الشخصية ومداركه العلمية والثقافية وطريقة أسلوبه في العرض. والنحوي لا يكون نحويًا بحق حتى تكون له آراؤه الخاصة ومواقفه المتميزة، فأبو البركات البغدادي يعدّ من القلائل الذين أبدعوا وجددوا وساهموا في بناء البنية الأساسية للأنموذج العلمي , فأصبح بحق من رؤساء المذاهب ورواد الفكر والمناهج المستقلة على مدى التاريخ النحوي , ولو أخذنا طريقته وأسلوبه في التأليف لوجدناه التزم المنهج الفلسفي والمنطقي الفقهي في الترتيب والتقسيم , فأراد بذلك أن يخضع علوم العربية لعلوم الفقه في الترتيب والتنسيق. وإذا أردنا معرفة مذهبه النحوي لابد لنا من الوقوف عند شخصيته لمعرفة خصائصها وسماته. وهذا يتأتى من إلقاء الضوء على بعض القضايا النحوية التي تعبر أساسا عن هذا الاتجاه باعتبار أن للشخصية دورا مؤثرا وكبيرا عند التأليف.

موقفه من النحاة:

لأبي البركات البغدادي موقف خاص به من النحاة، يتصف بالعدل والإنصاف عند عرضه آراءهم. سواء أكانوا بصريين أم كوفيين, مشهورين أم مغمورين, فموقفه يتميز بعدم التفريق بين العلماء لاسيما عند عرضه للمسائل النحوية, فمرة نراه يعرض الآراء دون التعليق عليها كقوله حول زيادة الواو العاطفة"اختلفوا في جواز زيادة الواو العاطفة لغير معنى فجوزه الكوفيون احتجاجا بقوله تعالى:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين" [42] ، وقوله سبحانه:"فلما أسلما وتله للجبين وناديناه" [43] ، وجعلوا منه قوله تعالى:"حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها" [44] ، وقول الشاعر المتقدم أول الكتاب: وقلبتم ظهر المجن لنا... بعد قوله:"

حتى إذا قملت بطونكم ورأيتم أبناءكم شبوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت