للبغدادي موقف متميز من السماع والقياس فهو على الرغم من اعتماده على القياس إلا أنه في عدد من المسائل النحوية أو قل في جلّ ما يعترضه من مسائل نحوية, يأخذ عن السماع بالنقل والاستعمال, فصاحبنا يكره القياس على النادر والشاذ, يقول:"إذ لو طردنا القياس في كل ما جاء شاذا مخالفا للأصول والقياس وجعلناه أصلا لكان ذلك يؤدي إلى أن تختلط الأصول بغيرها وأن يجعل ما ليس بأصل أصلا وذلك يفسر الصناعة بأسرها" [59] لذا نجده يكثر من قول:"وهي رواية شاذة" [60] , ويقول في موضع (أفعل التعجب) :"من الشاذ الذي لا يعرج عليه , فهو في الشذوذ" [61] ، ويقول في موضع آخر من أن الكوفيين في أدلتهم في باب (أصول الاشتقاق, الفعل أو المصدر) :"فسنذكر فاسدة" [62] أو عبارة"هذا باطل" [63] إلى غيره من العبارات التي تعطينا الدليل بأن صاحبنا لا يعتد بالقليل ولا يبني عليه رأيه ولا يتخذ منها قاعدة , أو قل: إنه يعتد بالسماع الشائع ولا يجيز القياس على الشاذ والنادر.وهذه نماذج مما ذهب اليه:
قال أبو البركات:"إن قال قائل: هل نعم وبئس اسمان أو فعلان ؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك، فذهب البصريون إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرفان واستدلوا على ذلك... وذهب الكوفيون إلى أنهما اسمان واستدلوا على ذلك. قال أبو البركات: والصحيح ما ذهب إليه البصريون وأما ما استدل به الكوفيون ففاسد" [64] .
وقال أبو البركات حول باب عسى:"إن قال قائل: ما عسى من الكلم ؟ قيل: فعل ماض من أفعال المقاربة لا يتصرف وقد حكى عن ابن السراج أنه حرف، وهو قول شاذ لا يعرج عليه، والصحيح أنه فعل..." [65] .