وهذا يدلل على أن أبا البركات الأنباري أو البغدادي أخذ علم النحو من منابعه البصرية, فتأثر بها وسار على نهجها, إلا أن فطنته وتمكنه قاده إلى التفرد في معالجة المسائل النحوية والاتساع في القياس (إن انكسار القياس في النحو لا يتحقق لان النحو كله قياس) [68] .
أضف إلى كثرة تعلقه بالمنطق في استنباط القواعد وتعليل الأحكام والموازنة بين الآراء, هذه الخصائص والسمات التي تميز بها البغدادي, اكتسبها من خلال انتمائه إلى المدرسة البصرية النحوية.
أثر المدرسة البصرية في منهجه النحوي:
يتبين مما عرضت أن البغدادي, ابتداء من موقفه وتشدده في شروط السماع وتوسعه في القياس , وانتهاء بشيوخه إنه بصري النزعة, فكرًا وثقافة ومقاييس علمية , وإن مخالفته حينًا لآراء البصريين لا يدل على انتمائه لغير هذه المدرسة التي تتلمذ فيها واخذ نظرياته في السماع والقياس والعلة والتعليل والعامل.
هذه المخالفة من دلائل قدرته في اتخاذ الرأي المستقل والقوة في الشخصية ولا يخرج به عن مدرسته البصرية، إضافة إلى أنها ظاهرة طبيعية ليست مقصورة على أبي البركات، فقد خالف سيبويه أستاذه الخليل, وخالف المبرد أستاذه سيبويه [69] . وإذا تتبعنا أثر المدرسة البصرية للمسنا أن صلته وثيقة بها من خلال:
1-تعليقه على مصنفات أبي علي الفارسي وتدريسه لتلاميذه في المدرسة النظامية [70] .
2-إعجابه وتأثره بنحو وأركان المدرسة البصرية, والتي اتسمت فيما بعد بخصائص مميزة في التفريعات والتفصيلات في الأصول, على يد ابن السراج وأبي علي الفارسي والتي سماها المحدثون (المدرسة القياسية) , فقد وصف صاحبنا أبا علي الفارسي بأنه"من أكابر أئمة النحو... وابن جني بأنه حذاق النحاة... وابن السراج بأنه أحد أئمة النحو المشهورين وبأنه كان ثقة" [71] .
3-تأثره بسمات المدرسة القياسية وهذا ما نجده عند البغدادي من خلال: