فالقفطي ذكر إنه"كان فاضلًا عالمًا زاهدًا" [18] ، وابن كثير يصفه"بالفقيه العابد الزاهد" [19] . وابن قاضي يقول فيه"كان زاهدًا عابدًا مخلصًا تاركًا الدنيا" [20] . فسيرة البغدادي جملة من الورع والمجاهدة والمجالدة وعلى الرغم من قدره وعلو مكانته عند الخلفاء، قنع صاحبنا وزهد في دنياه، فكان أقرب إلى مسالك الصوفية، أو قل إنه حبب لنفسه الطريقة الصوفية إلا أنه لم يعتنقها مذهبًا جاء في نزهة الألباء في حديثه عن أستاذه أبي منصور الجواليقي قوله: وحضرت حلقته يومًا وهو يقرأ عليه كتاب الجمهرة لابن دريد.وقد حكى عن بعض النحويين أنه قال:"أصل (ليس) (لا أيس) فقلت: هذا الكلام كأنه من كلام الصوفية، فكأن الشيخ أنكر عليّ ذلك" [21]
هذه الواقعة تعطينا الدليل على أن صاحبنا لم تكن نفسه تستهوي الصوفية مذهبًا بل استهوتها مسلكًا، فنراه يجالس الصوفية ويشاركهم ويسلك مسلكهم في مواجهة أمور الحياة. إضافة إلى ذلك كان البغدادي يتسم بالجدّ والسيطرة على خوالج نفسه، ويظهر هذا الحدّ من خلال عبارة قالها تعليقًا على مداعبة جرت بين الميداني والزمخشري"هذه فكاهة لا تليق بالمشايخ" [22] وكأنه بتصرفه هذا قد أخذ بنصيحة أستاذه ابن الشجري حين قال:
لا تمزحنّ فإنْ مزحتَ فلا يكنْ مزحًا تضاف به إلى سوء الأدب
واحذرْ ممازحةً تعود عداوةً إنّ المزاح على مُقدِّمة الغضب
مذهبه الفقهي: