فهرس الكتاب
ذكر ذلك لأنه دليل عنده ـ على صحة فكرته أن الطيور والحيوانات العجماوات كانت أرقى منه فكرًا، وأذكى بصيرة، وأقدر على مواجهة الأزمات بأسلوب حضاري مناسب فابن آدم ـ ولابد هنا أن يكون إنسانًا لا بشرًا حسب خطة المؤلف.
ولما كانت هذه الواقعة القرآنية منسوبة إلى ولدين لآدم وهذه النسبة لها دلالة قاطعة على أن الحياة الآدمية البشرية بدأت أول مرة في الوجود بخلق اللَّه آدم وتنفي نفيًا قاطعًا أن يكون للبشرية وجود قبل خلق اللَّه آدم.
لما كانت هذه الواقعة القرآنية تنسف كل الأوهام الذي ادعاها المؤلف في كتابه سارع إلى إزالة هذه «العرقلة النقلية القرآنية» فقال: «ولا يبعد أن نتصور أن البشر كانوا في بداية وجودهم وقبل رشدهم يتآكلون ويتفارسون: أي يأكل بعضهم بعضًا» . أبي آدم (122) .
يا سبحان اللَّه؟ لماذا يا سيادة الدكتور تضع نفسك في هذه المضايق الخانقة، وتضطرها إلى فعل المستحيل لكي تخرج منها، وما أنت بخارج؟ أما قرأت قول الشاعر المجرب؟:
دخول المرء في الشبكات هيِّن………ولكن التأمل في الخروج
واسمح لنا أن نكشف لك سرًّا دفينًا لشأن من شئون نفسك وأنت تكتب هذه العبارة. ذلك السر هو أن واعظ النفس منك ـ شكر اللَّه له ما احتجَّ به عليك ـ لم يرض لك أن تذهب هذا المذهب من الوهم.. فلما لم تطعه أنت أبي إلا أن تكون عبارتك دالة على احتجاجه عليك. ولكن كيف عرفنا هذا؟ عرفناه من أنك تقول:
«ولا يبعد أن نتصور» ونفي الشيء ـ ابتداء ـ دليل على ثبوته واقعًا، قبل نفيه لفظًا لقد أشعرك واعظ نفسك ـ شكر اللَّه له ما صنع ـ أن ما تقوله بعيد بعيد فرحت أنت ترد عليه فقلت: (ولا يبعد..) .
ودعنا من هذا الذي جرى بينك وبين نفسك من صراع خفي يدب دبيب النمل. وتعال ـ أولًا ـ نسألك هذا السؤال اللحوح جدًّا:
عمَّن تتحدث أنت يا دكتور؟ عن (الإنسان) أحد بني آدم أم عن (البشر) ؟