فهرس الكتاب
ويقول في ذلك ابن رشد ـ رحمه الله تعالى ـ كلامًا ينمّ عن فقه مقاصدي عميق، ونظر مصلحي دقيق ، فيقول ـ رحمه الله تعالى ـ بعد عرض الأقوال وسبب خلاف الفقهاء:"ردّ جواز النكاح بإدخال وارث قياس مصلحي ، لا يجوز عند أكثر الفقهاء ، وكونه يوجب مصالح لم يعتبرها الشرع إلاّ في جنس بعيد من الجنس الذي يرام فيه إثبات الحكم بالمصلحة ، حتى إنّ قومًا رأوا أن القول بهذا القول شرع زائد ، وإعمال هذا القياس يوهن ما في الشرع من التوقيف ، وأنه لا تجوز الزيادة فيه ، كما لا يجوز النقصان، والتوقف أيضًا عن اعتبار المصالح تطرق للناس أن يتسرعوا لعدم السنن التي في ذلك الجنس إلى الظلم ، فلنفوّض أمثال هذه المصالح إلى العلماء بحكمة الشرائع الفضلاء الذين لا يتهمون بالحكم بها ، وبخاصة إذا فهم من أهل ذلك الزمان أن في الاشتغال بظواهر الشرائع تطرقًا إلى الظلم، ووجه عمل الفاضل العالم في ذلك أن ينظر إلى شواهد الحال، فإن دلّت الدلائل على أنه قصد بالنكاح خيرًا، لا يمنع النكاح، وإنْ دلّت على أنه قصد الإضرار بورثته؛ منع من ذلك ..."اهـ المطلوب من كلامه [1] .
فهو ـ رحمه الله تعالى ـ يفوّض أمثال هذه الوقائع والأحداث إلى العلماء بحكمة الشرائع ـ وهي المقاصد ـ ، على أن ينظروا إلى شواهد الأحوال ، فما ظهر القصد السيّئ عاملوا بنقيضه ، وما ظهر خلاف ذلك أمضوا العقود . وهذا من كمال الفقه وصواب النظر ، والله أعلم .
المسلك الثامن: تعدية الاستنباط بالنظر المقصدي:
فلعل فقيهًا بتوفيق الله عز وجل ينظر في نصّ شرعي فيقف على مقصود الخطاب منه ، فيقتدر على تعدّي المقصود مواضع النصّ ، فيلحق به ما كان شبهه ، وما كان أولى منه ، وما ذلك إلاّ بالنظر المقصدي للخطاب.
(1) بداية المجتهد، 3/84ـ85.