فهرس الكتاب
والثالث: أنه بتعارضهما يتساوى الحاظر والمبيح ، فيتساقطان، وهو قول القاضي الباقلاني والغزالي وعيسى بن أبان وأبي هاشم [1] .
ووجه تقديم الحاظر على المبيح ، أن في ارتكاب المحظور جلبًا للمفاسد على النفس ، وليس في ترك المبيح إثمٌ يجلب المفسدة . وهذا نظر مقصدي .
ووجه ترجيح المبيح على الحاظر ما ذكره ابن الحاجب والآمدي
ـ رحمهما الله تعالى ـ أنه يلزم من تقديم الحظر فوات مقصود الإباحة، بخلاف ترجيح المبيح ، فإنه لا يلزم فوات مقصود التحريم ، لأن الإباحة تقتضي الترك والفعل ، فقد يترك المباح فلا يكون في ذلك فوات لمقصود التحريم إلى الترك [2] .
وكما قال الآمدي:"إنَّا لو عملنا بما مقتضاه الإباحة ؛ فقد لا يلزم منه فوات مقصود الحظر ، لأن الغالب أنه إذا كان حرامًا ؛ فلا بُدَّ أن تكون المفسدة ظاهرة ، وعند ذلك ؛ فالغالب أن المكلّف يكون عالمًا بها ، وقادرًا على دفعها ، لعلمه بعدم لزوم المحظور من ترك المباح ، ولأن المباح مستفاد من التخيير قطعًا ، بخلاف استفادة الحرمة من النهي ، لتردد النهي بين الحرمة والكراهة ، فكان مقتضى الإباحة أوْلَى" [3] .
وهذا أيضًا نظر مقصدي ، فكلا المذهبين رجّح باعتبار المقصد الشرعي .
غير أنَّ رأيًا بالتفصيل في هذه الحالة نراه أوْلَى وأصحّ ، وهو أنْ يرجّح مقتضى التحريم في غير العاديّات ـ من العبادات والعقائد والأبضاع ـ لأن التحريم فيه أكثر اعتناءً للشارع ، وأكثر اعتبارًا له ، وبناء الأصول على التحريم فيها ، فيُعلم أن قصد الشارع فيها هو تقديم المحرّم والحاظر على المبيح .
(1) راجع المذاهب في: الإحكام: للآمدي، 3/478ـ 479، نهاية السول: للإسنوي، 4/502، منتهى الوصول والأمل: لابن الحاجب، ص 225، والبحر المحيط: للزركشي، 6/170ـ171، إحكام الفصول: للباجي، 2/672، وتنقيح الفصول،
ص 407.
(2) منتهى الوصول والأمل: لابن الحاجب، ص 225، والإحكام: للآمدي، 3/ 479.
(3) الإحكام، 3/ 479.