فهرس الكتاب
أما في العاديات والأشياء ؛ فالأولى ترجيح مقتضى الإباحة ، لأن اعتناء الشارع في إباحتها كان أكثر ، والاستقراء دلّ على أن الشرع يقصد التوسعة على المكلّفين في أمور العادات والأشياء ، من غير العبادات والعقائد والأبضاع ، إذ الأصل أنه تعالى خلق الأشياء للانتفاع بها والاستمتاع ، كما قال تعالى [1] . ولأنه عزّ وجلّ أنكر على من يبتغي تحريم الأشياء والعاديّات، فقال جلّ وعلا
[2] . وغير ذلك من مواضع إظهار أن الكثير المطلق هو إباحة الأشياء والعادات.
لذلك إذا تعارض دليلان في الأبضاع ـ مثلًا ـ أحدهما يقتضي الإباحة ، والآخر يقتضي التحريم ، فالترجيح لمقتضي التحريم ، لأنه الموافق لمقصود الشارع في التحوّط لحفظ الأعراض ، ومنع كل ما يؤدي إلى انتهاكها ، ولذلك قال الفقهاء:"الأصل في الأبضاع التحريم" [3] .
ومن ذلك تعارض قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأله رجل: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: (لتشدّ عليها إزارها ، ثمّ لك بأعلاها) [4] مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: (اصنعوا كل شيء إلاّ النكاح) [5] .
(1) سورة البقرة، الآية (29) .
(2) سورة الأعراف، الآية (32) .
(3) أشباه السيوطي، ص 61، وأشباه ابن نجيم، ص 67.
(4) أخرجه الدارمي في الطهارة، باب مباشرة الحائض، برقم 1022، 1/255. ويشهد له ما أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب مباشرة الرجل الحائض فوق الإزار، برقم 677_ 679 عن ميمونة قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر نساءه فوق الإزار، وهنَّ حُيَّض) .
(5) أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب في قوله [البقرة: 222] ، برقم 692،
3/202ـ 203، بشرح النووي.