الصفحة 28 من 30

فالحديث الأول يقتضي تحريم ما بين السرّة والركبة ، والحديث الثاني يبيح ما بين السرّة والركبة إلاّ الوطء ، فهنا الأوْلَى تحريم ما بين السرّة والركبة، لموافقته الأصل في تحريم الأبضاع ، وهو الذي عليه الجمهور من الفقهاء على أصلهم في تقديم الحاظر على المبيح [1] .

الحالة الثانية: إذا تعارض ما يكون حكم أحدهما أخفّ من الآخر، فهل يقدّم ما يقتضي التخفيف على ما يقتضي خلافه ، أمّ يقدّم الأثقل على الأخف ؟ . ذهب العلماء إلى القولين.

ووجه من قدّم الأخف على الأثقل: أن الشريعة مبناها على التخفيف على ما قال الله تعالى [2] وعلى ما قال سبحانه: [3] وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنّة [4] .

وهذا على ما ترى ترجيح بنظر مقصدي .

أما وجه من قدّم الأثقل على الأخفّ فوجهه: أن الأحكام الشرعية إنما يُقصَدُ بها مصالح المكلّفين ، والمصلحة في الفعل الأشقّ أعظم منها في الفعل الأخفّ ، ولأنّ الغالب على الظنّ إنما هو تأخّر الأثقل عن الأخف ، نظرًا إلى المألوف من أحوال العقلاء ، فإنّ من قَصَدَ تحصيل مقصود بفعل من الأفعال ؛ ولم يحصل به ؛ لا يقصد تحصيله بما هو أخف منه ، بل يقصد تحصيله بما هو أعلى منه ، وزيادة ثقله تدلّ على تأكّد المقصود منه على مقصود الأخفّ [5] .

وهذا أيضًا ترجيح باعتبار المقاصد .

(1) وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم، وذهب الثوري وداود الظاهري إلى أنَّه يجوز له مباشرتها فيما بين السرة والركبة إلاّ الوطء. راجع المذاهب في: مغني المحتاج، 1/110، وشرح النووي لصحيح مسلم،

3/195ـ196، وبداية المجتهد، 1/148ـ149.

(2) سورة البقرة، الآية (185) .

(3) سورة الحج، الآية (78) .

(4) انظر: الإحكام للآمدي، 3/482.

(5) انظر: الإحكام للآمدي نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت