ولكن هذا ليس محل اتفاق بين علماء الوراثة، فالدراسات تشير إلى دور الوراثة في الانحرافات النفسية والسلوكية، وهذا لا يمنع تأثير البيئة، وهذا يتفق مع نظرة علماء الاجتماع، فالمعطيات الوراثية لا تفعل فعلها، ولا تؤدي إلى انحرافات نفسية، وسلوكية إلا إذا تفاعلت مع ظروف بيئية سيئة، فالمعطيات الوراثية سبب، ولكنه غير كافٍ، وكذلك الظروف البيئية سبب أيضًا، ولكنه غير كافٍ، فتتفاعل المعطيات الوراثية مع الظروف البيئية، فتحدث الانحرافات النفسية، والسلوكية، فالإنسان لا يرث انحرافًا نفسيًا، وإنما يرث استعدادات تجعله مهيئًًا للاضطراب النفسي، أو العقلي، ثم تأتي الظروف البيئية لتساعد في ظهور الانحرافات، وهذا ما أشار إليه علماء النفس من أن"الفرد لا يرث الاضطراب السلوكي أو المرض النفسي كما تورث الملامح الجسمية ولكنه يرث الاستعداد التكويني من والديه وأجداده ويظهر الاضطراب في حال وجود أو توفر العوامل المعززة له وهذا يحدث في حالة الفصام حيث يرث الفرد الاستعداد عبر مورثات متنحية وفي حالة المرح والاكتئاب حيث يرث الفرد الاستعداد عبر مورثات سائدة ذات تأثير كبير (28) ."
المطلب الثاني: أثر الوراثة في بناء الشخصية في السنة النبوية
يناقش هذا المطلب أثر الوراثة في بناء الشخصية من الجوانب الجسمية، والعقلية، والنفسية، والسلوكية من منظور التربية الإسلامية.
الفرع الأول: أثر الوراثة في البناء الجسمي للشخصية
ورد في السنة النبوية المطهرة العديد من الأحاديث التي تدل على أن الشخصية، أو البناء الجسمي للشخص يتأثر بصفات الآباء، والأجداد، فمن ذلك ما يرويه أبو هريرة أن رجلًا أتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -:"يا رسول الله ولد لي غلام أسود فقال:"هل لك من إبل؟ قال نعم، قال فما ألوانها؟"قال: حُمر، قال: هل فيها من أورق؟ (29) "قال: نعم"قال:"فأنى ذلك؟"قال: لعله نزعة عرق، قال:"فلعل هذا نزعة عرق" (30) ."