الفرع الثاني: أثر الوراثة في البناء العقلي والنفسي والسلوكي للشخصية
قبل عرض النصوص التي قد يستدل بها على تأثير الوراثة في الجوانب العقلية والنفسية، والسلوكية للشخصية، لابد من توضيح مفهوم الفطرة التي لها علاقة مباشرة في فهم دور الوراثة في بناء الشخصية من الجوانب العقلية، والنفسية، والسلوكية.
مفهوم الفطرة الإنسانية:
اختلف العلماء في معنى الفطرة ولكنهم جميعًا يؤكدون أنها أمر فيه صلاح الإنسانية، وخيرها (39) ، ويدل على هذا أن القرآن الكريم نسب الفطرة إلى الله تعالى، وهذا يعني أنها أمر محمود، وفي القرآن الكريم تأتي نسبة الشيء المحمود إلى الله تعالى، وإن كان خالقًا، وربًا لكل شيء سبحانه وتعالى، ومن تعريفات الفطرة:"أنها النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، والفطرة التي تخص الإنسان هي ما خلقه عليه جسدًا، وعقلًا، فمشي الإنسان فطرة جسدية، ومحاولته أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها، والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية..." (40) ، وقيل: هي الميل المركوز في أصل الخِلقة لتفضيل الإسلام، والأخذ به، وليس منها مجرد ولادة الطفل على خلقه خالية، لا إيمان بها ولا كفر، ولا معرفة، ولا إنكار كالصفحة البيضاء" (41) ، وقيل:"بصيرة ثابتة في جوهرها يولد المرء مزودًا بها لتنزع به نحو الخير في صورته الكلية المجملة (توحيد الله) وتمثل في جوانبها الروحية، والعقلية، والنفسية نظامًا متكامل الحلقات" (42) ، وبناءً عليه يرى الباحثان أن للفطرة مفهومين، مفهومًا خاصًا، وهو التوحيد، ومفهومًا عامًا وهو الخصائص والصفات التي خلق الله الناس عليها وتشمل الدوافع الفطرية، والاستعدادات العقلية، والنفسية، والأخلاقية المزود بها، وظهور التساؤلات عن الكون، والحياة، والإنسان، واتفاق عقول الناس، والارتياح لما يعد معروفًا، والنفور مما يعد منكرًا."