الصفحة 26 من 30

ولا نزاع بينهم كذلك فيما إذا قال الزَّوج مثلًا: إنْ زنيت فأنت طالق أو إنْ سرقت فأنت طالق، وهو يقصد أنَّها إنْ فعلت شيئًا من ذلك فإنَّه لا يطيقها بغضًا، وإنَّ كراهيته للإقامة معها إنْ قارفت شيئًا من ذلك أشدّ من كراهيته للطَّلاق، فالتَّعليق في مثل هذه الحالة يقع به الطَّلاق عند الجميع أيضًا، والجمهور يسميه:"يمينًا بالطَّلاق"، وشيخ الإسلام يراه"يمينًا"من حيث الصُّورة، وأمَّا حقيقته عنده فهو:"الطَّلاق بالصِّفة".

وإنَّما موضع النِّزاع في نحو حلف أهل الأسواق يستسلف أحدهم من أخيه مالًا ليردّه في أمد معلوم، فلا يجيبه إلى طلبه مشكّكًا في الوفاء، فيحلف المستسلف: زوجتي طالق إنْ لم آت به، ونحو قول الرجل لزوجته: إنْ خرجت اليوم من البيت فأنت طالق، يريد منعها من الخروج وهو يكره طلاقها، بحيث إنْ رآها عمدت إلى الباب للخروج سبقها فأغلق الباب لئلا تخرج فتطلّق، ففي نحو هذا فقط النِّزاع بين الجمهور القائلين بوقوع الطَّلاق، وشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم القائلين بعدم وقوع الطَّلاق. وعليه فما تقدّم من استدلال الجمهور بإطلاق الآيات في الطَّلاق نحو: { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ } [البقرة: 229] دون تقييد بصيغة التَّعليق أو التَّنجيز، واستدلالهم ببعض الآثار الواردة عن الصَّحابة في تعليق الطَّلاق نحو قول ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ في البخاريّ فيمن طلق امرأته البتة إنْ خرجت، فقال: إنْ خرجت فقد بتّت منه" [1] . كُلّ هذا يُعَدُّ دليلًا للجمهور ولشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في مواجهة الظَّاهريّة أو أبي محمد بن حزم في القول بمنع وقوع الطَّلاق بصيغة التَّعليق مطلقًا، وليس أدلة للجمهور في خلافهم مع شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ـ رحمهم الله جميعًا ـ."

وعليه فإنَّ قول العلامة الدّكتور/ وهبة الزُّحيليّ:"إنَّ قول الجمهور أصح دليلًا"، فيه نظر.

(1) تقدم تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت