قال موسى للخضر مستفهمًا: «هل أتبعك؟» وفي هذا السؤال -كما يقول الشوكاني-:"ملاطفة ومبالغة في حُسن الأدب، لأنه استأذنه في أنْ يكون تابعًا له على أنْ يُعلِّمه مما علَّمه الله من العلم" [1] . وكأنَّ موسى يقول له: هل تسمح لي وتأذن أنْ أكون تابعًا لك، على شرط أنْ تعلمني مما عُلِّمته من العلم النافع المرشد للصلاح والصواب؟ والفرق شاسعٌ بين هذا الأسلوب، وبين أنْ يقول للخضر مثلًا: إني أريد أنْ تعلمني بعضًا مما تعلم. لخلو هذا الأسلوب من حُسن العرض والتلطّف والاستئذان والاستفهام والتبعية التي تدل على تواضع المتعلِّم للمعلم.
3.لفظ (أَتَّبِعُكَ)
وهذا اللفظ يتضمن أقصى معاني الخضوع النفسي، وكأنه يقول له: قبل كل شيء أريد أنْ أكون تابعًا لك، فهل تقبل؟ والتبعية هنا إشارة إلى ثقة الطالب في معلمه، وهذا أمرٌ في غاية الأهمية، لأن انعدام ثقة الطالب بعلم أستاذه معناه انعدام الاستفادة.
قال القرطبي:"هذه الآية دليل على أنَّ المتعلِّم تَبَعٌ للعالم وإنْ تفاوتت المراتب، ولا يُظنّ أنَّ في تعلُّم موسى من الخضر ما يدل على أنَّ الخضر كان أفضل منه، فقد يشذُّ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فَضَّله الله، فالخضر إنْ كان وليًَّا فموسى أفضل منه لأنه نبي والنبي أفضل من الولي، وإنْ كان نبيًا فموسى فَضَلَه بالرسالة" [2] .
4.لفظ (مِمَّا عُلِّمْتَ)
لفظ (مما) يتكون من جزئين. (من) وهي حرف جر يدل على التبعيض. و (ما) اسم موصول بمعنى الذي. والمعنى: على أنْ تُعلمني بعض ما لديك من العلم. فموسى عليه السلام يتلطَّف في طلبه، وكأنه يقول: يكفيني منك بعضٌ من العلم، وهذا البعض تحدد قَدْرَه وكميته أنتَ كما تريد [3] .
(1) الشوكاني: فتح القدير، ج3، ص299.
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج11، ص17.
(3) انظر: حفني، عبد الحليم: أسلوب المحاورة في القرآن الكريم، ص152 .