الصفحة 27 من 34

وهكذا فإنَّ كلَّ كلمة تَفوَّه بها موسى عليه السلام، جاءت مصوغةً في قالبٍ من اللطف والأدب والحكمة. فكيف كان رد الخضر على هذا الأدب؟

لقد كان ردُّه ردًا على الأدب بمثله، فردَّ بأسلوب رائع أظهر من خلاله صعوبة اتباع موسى له، وعدم استطاعته الصبر معه، وأيَّد تلك الصعوبة وعدم الصبر باستفهام تعجبي، فقال: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} . ويستوقفنا في هذا الرد عدة أمور، أهمها [1] :

1.أنه لم يرفض تعليم موسى، وهكذا خُلُق العلماء في عدم الضنِّ بما لديهم من علم، ولكنه يرى أنَّ هناك سببًا يجعل استمراره في التعلُّم صعبًا. وكأنه يقول له: لستُ أرفض أنْ أعلِّّمك، ولكن هناك ما يمنع، وهو أنك لن تستطيع الصبر على آثار هذا العلم الغريب.

2.حينما نفى عن موسى القدرة على الصبر، بيَّن سبب ذلك بأسلوب مهذب دقيق، ذلك أنه لم ينفِ عنه الصبر على الإطلاق، وإنما نفاه في حالة معينة، هي صحبته له، وهذا ما يدل عليه لفظ (معي) الذي انصبَّ النفي عليه في قوله: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} بمعنى: أنَّ الخضر لا ينفي عنه صفة الصبر، وإنما ينفي قدرته على الصبر في حالة معينة، هي صحبته له مع ما يرى منه من أفعال، أما في غير هذه الصحبة فلا ينفي عنه شيئًا. وفي لفظ (تستطيع) شيء من التماس العذر لموسى في عدم مقدرته على الصبر، وكأنه يقاوم ويحاول أنْ يصبر ولكنه لا يستطيع لوجود ما يدفعه إلى ذلك.

(1) انظر: المرجع السابق، ص ص (153- 154) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت