الصفحة 29 من 34

ثم انطلقا معًا حتى مرَّت بهما سفينة فركبا فيها، وكانت المفاجأة إقدام الخضر على خرق السفينة، فدُهش موسى لهذا الفعل، ولم يستطع السكوت والصبر على ذلك، فقال معترضًا بأسلوب استفهامي تعجبي: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} وعلى الرغم من الاعتراض على فعل الخضر، إلا أنَّ اعتراضه جاء بصورة مؤدبة، لأنه جاء بصيغة الاستفهام والتعجب، لا بصيغة الاتهام، والفرق بين الأسلوبين واضح.

فأجابه الخضر إجابة لينة ليس فيها إلا تذكيره بما سبق أن أكده له حين قال: {ألم أقل إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} وكان يمكن أن يهمله ولا يجيبه، أو أنْ يردَّ عليه ردًّا جافًا، ولكنه لم يفعل. ولذلك بادر موسى بالاعتذار لمعلمه بسبب نسيانه نصيحته السابقة، ورجاه ألا يرهقه عسرًا بالمؤاخذة على النسيان {قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} .

وبعد الانتهاء من هذا الموقف أبصر الخضر غلامًا يلعب على الساحل فقتله، ففزع موسى من هذا الفعل فزعًا شديدًا، ولم يستطع الصبر والسكوت عليه، فراجع الخضر واعترض عليه مرة ثانية، وقال له بأسلوب أدبي مبدوء باستفهام إنكاريّ تعجبيّ: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} ولم يعنِّف الخضر موسى ولم يؤنِّبه على اعتراضه عليه مرة ثانية، بل كرر له تذكيره بما سبق من نُصحه فقال: {أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} وزيادة (لك) في هذه المرة تُشعر بعتابه لموسى على ترك وصيته وعلى تكرير الاعتراض والمحاورة والذي كاد أنْ يصل إلى الجدال والخصام. وبعد ذلك استحيى موسى من الخضر وحَكَم على نفسه بأنه لو سأل مرَّة ثالثة فلا يصاحبه في رحلته هذه: {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت