الصفحة 30 من 34

ثم انطلقا معًا يواصلان رحلتهما حتى إذا أتيا أهل قرية، طافا بها واستطعما أهلها، وكان الجوع قد بلغ منهما مبلغه. فأبوا أنْ يضيِّفوهما، فوجدا في القرية حائطًا يريد أنْ ينقض ويسقط، فأقامه الخضر وعدَّل ميله. ولما رأى موسى إصلاح الخضر للحائط الذي كان آيلًا للسقوط، دون أنْ يطلب أجرًا على ذلك العمل من أصحاب الحائط وهما في أشد الحاجة إلى الطعام، لم يستطع السكوت، فقال للخضر: {لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} .

ونَلحظ أنَّ هذا الاعتراض من موسى كان في غاية اللطف والذوق، فإنه قد بدأه بلفظ (لو) ، ولكن الخضر اضطر لتنفيذ وعده السابق وهو قوله: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا} . فكانت تلك هي لحظة الفراق بينهما، ولكنَّ الخضر لم يترك موسى حائرًا غير عالم بأسرار أفعاله الثلاثة التي اعترض على فعلها وسأله عن أسبابها، شأنه في ذلك شأن المعلِّم الحريص على تَعلُّم تلميذه، فقال له: {هذا فراقُ بيني وبينك سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [1] أي سأخبرك بمآل ما فعلتُ، وسأبين لك الأسباب التي خفيتْ عليك [2] .

ثم بدأ الخضر يُفسِّر لموسى ما حدث، عودة منه إلى الأسلوب التعليلي الذي يمثل جانبًا مهمًا من جوانب أدب الكلام، فقال:

(1) سورة الكهف: الآية 78.

(2) انظر تفسير هذه الآيات في: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج3، ص ص (93- 99) . الحسيني، محمد: الحوار والجدال في القرآن الكريم، ص ص (42- 44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت