"والفظّ: الغليظ، والمراد به هاهنا غليظ الكلام، لقوله بعد ذلك: {غَلِيظَ الْقَلْب} ؛ أي لو كنتَ سيئَ الكلام قاسيَ القلب عليهم، لا نفضوا عنك وتركوك، ولكنّ الله جمعهم عليك وألانَ جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم" [1] .
فالآية الكريمة تشير إلى الرحمة التي ألقاها الله في قلب رسوله، وتُثني على أخلاقه السامية وقيادته الحكيمة، فعلى الرغم من عدم اتفاق أصحابه معه في بعض المواقف، إلا أنه وَسِعَهم بخُلُقه الكريم، وقلبه الرحيم، ولم يخاطبهم بالقسوة والشدّة بل باللين والرحمة، ولذلك اجتمعت القلوب حول دعوته، وتوحّدت تحت قيادته.
فليس من العسير إيراد المعارف ولا بذل النصيحة، ولكن العسير تخيّر أسلوب العرض لضمان النتائج، فكم من نفوسٍ أعرضت عن كلمة الحق، ولم يكن إعراضها ناشئًا عن طعنٍ في صحتها أو شكٍ في وضوحها؛ بل إنّ السبب الذي أدّى إلى نفورها، هو الأسلوب الذي غلب عليه الجمود والفظاظة، ونأى عن الرفق واللين، فنفرت منه القلوب، وأعرضت عنه. فالحقيقة واحدة، بَيْدَ أنها تقع على لسان من يسيء التعبير عنها فينفّر الناس منها، أو تقع على لسان واعظ حسن الموعظة، فيجمع القلوب حولها. وفي ذلك يقول الشاعر:
في زُخرف القولِ تزيينٌ لباطلهِ ... والحقُّ قد يَعتريه سوءُ تعبيرِ
تقولُ هذا مجاجُ النحلِ تَمدحُهُ ... وإنْ ذَممتَ تقلْ قيءُ الزنابيرِ
مدْحًا وذمًَّا وما جاوَزْتَ وصفَهُما ... حُسنُ البيانِ يُري الظلماءَ كالنورِ [2]
(1) ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل: تفسير القرآن العظيم، (بيروت: دار الفكر، د.ط، 1401هـ) ، ج1، ص421.
(2) الأبيات لابن الخل البغدادي. انظر: ابن خلكان، أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر: وفيات الأعيان وأنباء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، (بيروت: دار الثقافة، د.ط، 1968م) ، ج1، ص33.