الصفحة 41 من 50

لقد كان يوسف في سجنه حَسَن السيرة طيِّب السريرة، ليِّن الجانب مع السجناء، فكان يقوم على شؤونهم بالمواساة وتقديم النُصح، فكان له بذلك في نفوسهم منزلة رفيعة ومكانةً عليَّة وكلّ تقديرٍ واحترام، مما حَدَا بساقي الملِك وخبَّازه المسجونيْن معه إلى أنْ يطلبا منه تأويل رؤياهما. فيوسف عليه السلام قد حاز ثقة السجينيْن، ولكنه لم يستثمرها لنفسه، ولم يتَّخذها سُلَّمًا لهوى أو مَطْمع، وإنما جعلها مَدْخلًا لعقيدة التوحيد، ومَرْقاة للصعود بالأرواح ـ ولو من داخل السجن ـ إلى آفاق علوية مطهرة رضية. فما أنْ طَلَب منه السجينان تأويل الرؤيا حتى انتهز هذه الفرصة لنشر دعوته وبثِّ عقيدته، مستفيدًا في ذلك من نعمة تأويل الرؤى التي أنعم الله بها عليه. قال تعالى:

{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [1] .

ويَظهر الأدب في كلام يوسف عليه السلام من خلال عِدَّة أمور، أهمها:

1.أدب الاستماع والإصغاء

(1) سورة يوسف: الآيات (36- 39) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت