لقد كان هذا الأدب واضحًا في استماع يوسف إلى رفيقيه في السجن، وهما يعرضان عليه رؤاهما ويطلبان إليه تأويلها. فلم يمتنع عن ذلك، ولم يُقْفِل أذنيه عن الإصغاء لهما، بل اعتبر ذلك فرصة جيدة للدعوة، فلجأ إلى زيادة ثقتهما بقدرته على التأويل، من خلال إعلامهما بمستواه الكبير الذي يجعلهما منجذبين إليه ومرتبطين به بشكل أكبر، كأسلوب عمليّ من أساليب التأثير النفسي عليهما، قبل أنْ يستغرق في الحديث، ويدعوهما إلى عقيدته [1] .
2.أسلوب التشويق
طَمْأَن يوسف عليه السلام صاحبيه بأنه سيؤوِّل لهما رؤياهما، لأنَّ الله قد منحه القدرة على ذلك. ونلحظ هنا أنَّ يوسف استعمل حرف"من"الدَّال على التبعيض، ليشير لهم أنَّ تأويل الرؤى ليس كلَّ شيءٍ علَّمه إيَّاه الله، وإنما هو جزءٌ يسير مما علَّمه، وفي ذلك تشويقٌ لهم إلى معرفة ما لديه من علوم، وأنَّ عِلْمَه عِلمٌ لدنيّ ليس فيه كَسْبٌ ولا تحصيل، فهو علم خاص عَلَّمَه إياه ربُّه جزاء تجرّده لعبادته وحده وتركه عبادة قوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر [2] .
3.الأدب مع الله
من الأدب أن يُنسب الفضل لأهله، وهكذا فعل يوسف عليه السلام، فهو لم يقل لصاحبيه بأنَّ تأويل الرؤيا علمٌ من بنات أفكاره وأنه حصَّله بقدرته وذكائه، ولكنه ينسب هذا العلم إلى الله سبحانه وتعالى أدبًا معه. وبذلك"يدخل يوسف عليه السلام إلى قلبي صاحبيه، للدعوة إلى ربه الأوحد، معللًا بأنَّ ما أدهشهما من عِلْمه وانبهرا به من سلوكه إنما هو هِبَة من ربه الذي رباه فأحسن تربيته وعلَّمه من تأويل الأحاديث، وهو العلم الذي يؤوِّل لهما رؤياهما عن طريقه" [3] .
4.عدم مواجهة السجناء بأنهم على الكفر والضلال
(1) انظر: فضل الله، محمد حسين: الحوار في القرآن، (بيروت: دار الملاك، ط6، 1421هـ/2001م) ، ص319.
(2) انظر: محمد، عبد الصمد عبد الله: خطاب الأنبياء، (القاهرة: مكتبة الزهراء، ط1، 1418هـ/1998م) ، ص65.
(3) المرجع السابق، ص66.