الصفحة 43 من 50

قال يوسف موجِّهًا كلامه لصاحبيه في السجن: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} . والقوم هنا هم الذين تربَّى يوسف بينهم، وهم أهل بيت العزيز، وحاشية الملِك، والملأ من القوم والشعب الذي يتبعهم. وهنا مَلْمح لطيف جديرٌ بالوقوف والملاحظة، وهو أدبُ النبوَّة الذي يتجلَّى في عدم مواجهة السجينين اللذَيْن يخاطبهما بحقيقة معتقدهما رغم كونهما على ملَّة القوم، وإنما يواجه القوم عامة كي لا يُحرجهما ولا ينفرهما، وتلك كياسة وحكمة ولطافة وحُسن مدخل ينبغي على الدعاة إلى الله أنْ يتحلُّوا بها في دعوتهم لأنها ميراث النبوة [1] .

ونلحظ هنا أيضًا أنَّ يوسف عليه السلام ذَكَرَ تَرْكَه لملَّة الكفر، ثم أعقبه بذكر اتباعه لدين آبائه من الأنبياء، لأنَّ التَخْلية مقدمة على التحلية كما يقول الآلوسي [2] .

ثم يمضي يوسف عليه السلام في بيان ملامح دعوته القائمة على التوحيد، كلُّ ذلك في مقدمة يطرحها بين يدي تأويله لرؤيتي صاحبيه، فيقول:

{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون} [3] .

وهنا يظهر الأدب في كلام يوسف عليه السلام من خلال عدَّة أمور، أهمها:

1.أسلوب لفت الانتباه

(1) انظر: المرجع السابق، نفس الصفحة.

(2) انظر: الألوسي، أبو الفضل محمود: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ط، د.ت) ، ج12، ص242.

(3) سورة يوسف: الآيتان (39، 40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت