الصفحة 44 من 50

فبعد المقدمة التي هيَّأ بها يوسف عليه السلام صاحبيه في السجن لسماع دعوته، يقف معهم وقفة متأنِّية، مسترعيًا انتباههما واهتمامهما للاستماع إليه بطريق النداء بـ"يا"الموضوعة لنداء البعيد، طلبًا لإقبالهما عليه بكلِّ اهتمام وتركيز، مثيرًا فيهما دوافع التفكير المنطقي السليم الذي يزن الأمور بميزان العقل والعدل والفطرة، وذلك عن طريق الاستفهام التقريري في قوله: {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [1] .

2.التعبير بلفظ"يا صاحبي السجن"

يُلحظ هنا أنَّ يوسف عليه السلام، ينادي السجينين اللذَيْن تقدما إليه بطلب تفسير الرؤيا بقوله:"يا صاحبي السجن". والمعنى -كما يقول الآلوسي-: يا صاحبيَّ في السجن، إلا أنه أضيف إلى الظرف توسّعًا، كما في قولهم: يا سارق الليلة [2] .

واختياره للَّفظ الدال على معنى الصُحبة، ليكون ذلك أدْعى إلى قبول كلامه، فإنَّ الصُحبة تقتضي العلاقة الوثيقة بين الأطراف المشتركة فيها، والتي يترتب عليها أخذ كلِّ طرفٍ برأي الآخر.

قال الآلوسي:"ولعلَّه إنما ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان التي تصفو فيها المودة وتتمحض النصيحة ليُقبلا عليه ويقبلا مقالته" [3] .

فيوسف عليه السلام اتَّخذ منهما صاحبين، وتحبَّب إليهما بهذه الصفة المؤنسة، ليدخل من هذا المدخل إلى صلب الدعوة وجسم العقيدة.

3.أسلوب التمهيد والطرح الموضوعي في الدعوة

(1) انظر: محمد، عبد الله: خطاب الأنبياء، ص66.

(2) انظر: الآلوسي: روح المعاني، ج12، ص243.

(3) المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت