نلحظ في الآيتين السابقتين أنَّ يوسف عليه السلام لا يدعو صاحبيه إلى التوحيد بشكلٍ مباشر، وإنما يعرض عليهما قضية موضوعية، فيتساءل مُقَرِّرًا: أعبادة أرباب متعددين مختلفي الأهواء والمنازع، متبايني الأجناس والطبائع خيرٌ، أم عبادة الله الواحد القهار المتفرِّد بالألوهية، المالك لهذا الكون، المسيِّر له والمتصرِّف فيه، والقاهر له بسلطانه؟ [1] .
لا شك أنَّ الفطر السليمة ستختار الخيار الثاني، فقد جاء السؤال إذًا بصيغة الاستفهام التقريري.
ثم تدرَّج عليه السلام في دعوته إلى التوحيد، فنفى أنْ تكون معبوداتهم تستحق أدنى معنى من معاني الألوهية، فهي لا حقيقة لها في الوجود إلا أسماؤها، وما عبادة الأصنام والأوثان إلا محض افتراء. وبعد هذا التدرّج والتمهيد الحسن، صرَّح بالدعوة إلى التوحيد بشكلٍ واضح، فقال: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} . وهذا الأسلوب غاية في الأدب، وغالبًا ما تكون النتيجة المترتبة عليه إيجابية، لأنه يعمد إلى تهيئة التربة للزراعة قبل إلقاء البذرة فيها.
وهكذا فقد كان يوسف عليه السلام صاحب سلوك طيِّب محمود، وأخلاق كريمة عالية، وأدبٍ جمّ مع السجناء، وهو ما أقرَّ به صاحباه وشهدا به حين قالا: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} . هذا السلوك الذي انعكس بشكلٍ مباشر على علاقة يوسف عليه السلام بمن لقيه في السجن، الأمر الذي جعل أحدهما يتذكّر بعد بضع سنين ما كان من شأنه مع يوسف عليه السلام، فيعود إليه ليسأله عن تأويل رؤيا الملك ليجد عنده الخبر اليقين، ثم ما كان بعد ذلك من خروج يوسف من السجن والمكانة التي حَظيَ بها، والتمكين الذي صار له، الأمر الذي أعطى ليوسف حريةً واسعة في الدعوة إلى الله، لأنه أصبح في مركز القرار والسلطة، فكان لذلك الأثر الواضح على حياته من جهة، وعلى حركة الدعوة بشكلٍ عام من جهة أخرى.
(1) انظر: محمد، عبد الله: خطاب الأنبياء، ص67.