وإذا تحوّلنا إلى نطاق المجتمع المسلم، وجدنا أنَّ القرآن يُعطي أهمية للعلاقات الإنسانية، ويجعلها أساس الاجتماع وأصل العمران. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [1] .
فالآية تشير إلى أنَّ التأليف بين القلوب نعمة ربانية جديرة بالتنويه، فبذلك"تنتفي الأحقاد، وتنمحي البغضاء، وتتوارى الخلافات، وما يترتب عليها من غارات وحروب، ويذهب شبح الهلاك إلى غير رجعة. لأن التأليف بين القلوب إنما هو اتحاد في المشاعر، وانسجام في الوجدان، وباعث على التضامن في السرَّاء والضرَّاء، فهو إذن وحدة نفسية، أو فكرية، أو عقلية أو روحية، ينشأ عنها حتمًا وحدة اجتماعية لا تنفصم. ومن هنا يمكن القول: إن المجتمع في نظر القرآن تأليفٌ بين القلوب، واتحادٌ في المشاعر، وتَشاركٌ في الوجدان" [2] .
يتبين مما سبق أنّ القرآن الكريم يرى أنَّ الأخلاق الإنسانية لا يمكن أنْ تَكْتمل، إلا من خلال حياةٍ اجتماعية صالحة، قائمة على أساس العدل الاجتماعي، والعلاقات الإنسانية النظيفة المَبنيَّة على التعاون والتناصر والمشاركة والمحبَّة ونُكران الذات، ومعتمدة على عبادة الخالق عزَّ وجل، والخضوع لما تقتضيه ربوبيته.
وبالنظر في التصوّر القرآني لتنمية العلاقات الإنسانية، نجد أنَّ الفلسفة القرآنية في هذا المجال بُنيت على ثلاثة أمور [3] :
(1) سورة آل عمران: الآية 103.
(2) التومي، محمد: المجتمع الإنساني في القرآن، ص271.
(3) انظر: الأعرجي، زهير: الأخلاق القرآنية، (بيروت: دار الزهراء، ط1، 1407هـ/1987م) ، ج2، ص ص (234- 235) .