ومن نماذج الاستعراض أيضًا ما قام به الصحابي أبو دجانة في غزوة أُحد حين أمسك الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، بسيفه فقال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فأقبل أبو دجانة قائلًا: أنا آخذه بحقِّه، فأعطاه إيّاه، فأخرج أبو دجانة عصابة حمراء فعصب بها رأسه، ثم راح يتبختر بين الصُّفوف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّها لمشية يبغضها الله إلاَّ في مثل هذا الموطن) [1] .
ومن النَّماذج للاستعراض في الإسلام، استعراض المسلمين في عمرة القضاء، فقد دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة في عمرة القضاء راكبًا على ناقته القصواء، وتوشَّح المسلمون السيوف، محدقون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبون، وخرج المشركون إلى جبل قيقعان ـ الجبل الذي في شمال مكة ـ ليروا المسلمين، وقد قالوا فيما بينهم: إنَّه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أنْ يرملوا الأشواط الثلاثة، وأنْ يمشوا ما بين الرُّكنين، ولم يمنعه أنْ يأمرهم أنْ يرملوا الأشواط كلها إلاَّ الإبقاء، وإنَّما أمرهم بذلك ليرى المشركون قوته [2] ، كما أمرهم بالاضطباع، أي أنْ يكشفوا الناكب اليمنى، ويضعوا طرفي الرداء على اليسرى.
ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة من الثنية التي تطلعه على"الحجون"، وقد صَفَّ المشركون ينظرون إليه، فلم يزل يلبي حتى استلم الركن بمحجنه، ثم طاف وطاف المسلمون، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرتجز متوشحًا بالسيف:
خلو بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله
يا ربِّ إني مؤمنٌ بقيله ... إني رأيت الحقَّ في قبوله
بأنَّ خير القتل في سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله
(1) سيرة ابن هشام: مطابع دار البيان الحديثة، القاهرة، ط/1، 2001م، 3/21.
(2) صحيح البخاري، 1/218، 2/611، صحيح مسلم، 1/412.