فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 26

وفق هذا المنظور أضحت الاستعارة داخلة في التركيب الأنطولوجي الرمزي للكائن الإنساني، وغدت مغذية لحقل الحقائق في المجال اليومي، وبما هي كذلك في رأي ج.لايكوف ومارك جونسون،"فإن الجزء الأكبر من نسقنا التصوري العادي هو استعاري من حيث طبيعته"، وهو ما يعني أيضا أن الاستعارة"لا ترتبط باللغة أو الألفاظ، بل على عكس ذلك، فسيرورات الفكر البشري هي التي تعد استعارية في جزء كبير منها. وهذا يدل على أن النسق التصوري البشري مبنين استعاريا، فالاستعارات في اللغة ليست ممكنة إلا لأن هناك استعارات في النسق التصوري لكل منا".

يتضح إذن أن مصدر هذه الرؤية يؤول إلى نيتشه، وإلى ريكور أيضا، مؤلف كتاب الاستعارة الحية الذي يستعيد التأويل النتشوي للعالم معتبرا في الآن ذاته الوظيفة الحيوية للاستعارة باعتبارها داخلة في التكوين الأنطولوجي الرمزي للكينونة، وهذه الوظيفة كاشفة عن تجارب معيشية، وليست بالتالي وظيفة بلاغية. فالاستعارة ليست مجرد زخرف لغوي. ففي الوظيفة الأنطولوجية للاستعارة يتم تقديم"الإنسان وهو يعمل"، و"كل الأشياء كما لو كانت تفعل"، فالطاقة الكامنة في الوجود تولد الكفاءة الخلاقة للفعل،"وعندئذ يصبح التعبير الحي هو الذي يقول الوجود الحي". ولعل هذا هو أهم منجزات اللحظة النيتشية. لقد أحدثت انقلابا جديا في التصور الفلسفي للغة والوجود والحقيقة، فالحقيقة هي الاستعارة ذاتها حين تعرض قوتها الحيوية في العالم، إنها تنتمي لعالم السطح، عالم الظاهرة المتشكل وفق استراتيجيات الهيمنة المتصارعة في العالم الخارجي، وفي الوقت الذي يقوض فيه نيتشه الأزواج الميتافيزيقية ومثيلاتها البلاغية، فإنه يؤسس مفهوما جديدا يستند إلى رؤية جنيالوجية تقف على"استعارية الوجود ومجازيته"التي تكشف عن البعد القيمي والتفاضلي للحقائق التي هي المجموعة الحية للاستعارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت