فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 89

وبقيّ ذو القرنين يسير ويسري حتى انتهى إلى عين اختلط ماؤها وطينها، فتراءى له أن الشمس تغرب فيها، وتختفي وراءها، وظن أنه ليس وراء هذه العين مكان للغزو ولا سبيل للجهاد. لكنه رأى عندها قومًا هاله كفرهم، وكبر عليه ظلمهم وطغيانهم، إذ عتوا في الأرض عتوًا وأكثروا فيها الفساد، وسفكوا عليها الدماء استجابة للشيطان، وجريًا وراء نوازع النفس.

ثم استخارذوالقرنين الله تعالى في أمر هؤلاء، فخيره عزّ شأنه بين سبيلين، يختار إحداهما ويسلك ما يريد منهما: إما أن يذيقهم القتل ويوقع بهم النكال جزاء كفرهم وطغيانهم، أو يمهلهم ويدعوهم لعل فيهم من يهتدي أو يرعوي، فأختار الإمهال على القتال، والحسنى على تثخين جراحهم، يقول الله عزّ وجل في سورة الكهف/ 87-89:"قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابًا نكرًا * وأما من آمن وعمل صالحًا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرًا ثم أتبع سببًا".

ولقد أقام ذو القرنين فيهم زمنًا ضرب على يد الظالم، ونصر المظلوم، وأخذ بيد الضعيف، وفشا فيهم العدل والصلاح. بعدها شاء ذو القرنين أن يثني عنان عزّمه صوب الشرق، فسار غازيًا حتى انتهى في سيره إلى غاية العمران في الأرض، ووجد قومًا تطل الشمس عليهم وليس لهم بيوت تسترهم أو أشجار تظلهم. كان هؤلاء القوم جهلاء أصحاب فوضى، فبسط على بلادهم سلطتهن وخلفهم إلى الشمال غازيًا حتى وصل إلى بلاد بين جبلين، يسكنها أقوام لا تكاد تعرف لغاتهم قد جاوروا يأجوج ومأجوج، وهم قوم مفسدون ضالون ومضلون ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت