فهرس الكتاب
فالبرج والمنزل لفظان متقاربان ، فالبرج في معناه الأصلي هو الحصن أو القصر، لذا كان هناك تشابه بين المنازل والبروج ، فللقمر منازله وبروجه.. فإذا قطع القمر دائرة الفلك وتنقل في منازله عاد كما قال تعالى:"كالعرجون القديم"، وتنصرف الإشارة هنا إلى تطوره وما ناله من نقصان بعد أن كان بدرًا فالعرجون أيضا يصغر ويذبل وينحني بمرور الزمن عندما يصبح قديما وفي نهاية أطواره، ومن هنا كان التشبيه البليغ في كتاب الله العزّيز.
إضافة لقدرة الله القدير بأن جعل للقمر منازل وبروج وتشبيهه بالعرجون القديم فقد عبرت تلك الصيغة القرآنية عن معان كثيرة صورت مراحل تطور القمر ويرد في صحبته ثلاث آيات أخريات تكون في مجموعها دليلًا من أعظم الأدلة على قدرته تعالى، وأول الآيات الثلاث قوله العظيم في سورة يس /37:"وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم يظلمون". فتعاقب الليل والنهار إحكام إلهي تشتمل عليه الآية الكريمة من شق علمي وآخر بلاغي ، يتناول العلمي القانون الإلهي الذي يحكم تعاقب الليل والنهار على نحو لا يختل ولا يضطرب أما الشق البلاغي فهو التصوير المعجز لانبثاق النهار من أعماق الليل وظلمته الذي صورته استعارة لفظية هي قوله تعالى:"نسلخ من".
أما عبارة ونسلخ منه فتحرك في الأذهان مشهد سلخ جلّد الشاة عنها وإزالته ليظهر اللحم من تحته، وكذلك الليل هو الغطاء المعتم ينقشع تدريجيا لينبلج الصباح بإشراقه وضوئه منبثقا من أعماق الليل وظلمته ليطلع النهار ثم يعقبه شروق الشمس. قال تعالى في سورة يس /38:"والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزّيز العليم".