فهرس الكتاب
إذن فالمحاولات البشرية والسباق العلمي مهما تعاظم أو تقدم فإنه لايصل إلا إلى ذرات محدودة من بعض بصيص العلوم بالقدر الذي سمح عزّ وجل لهم وأتاح لقدراتهم البشرية. فلم يعلمنا القرآن الكريم أسرار الوجود لكنّه أكدها كحقائق علمها عند الخالق سبحانه وتعالى الذي لديه علم الحياة والموت ولم يعطها لغيره إلا بإذن منه، فقد أعطى سبحانه هذه المعجزة لرسوله عيسى عليه السلام ولكن ما قام به كان بإذن الله، يقول عيسى عليه السلام بقوله الحكيم في سورة آل عمران /49:"إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمة والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون".
وكان العرب أول من خاطبهم القرآن المجيد وهم، الذين لا بَاعَ لهم في العلوم الحديثة ولا قدرة لهم على تفهم معطيات العلم ونظرياته كأن التمثيل والتشبيه هو الوسيلة المثلى لتجسيد مثل هذه المفاهيم ليدركوا من خلالها إنّ الأصنام التي عبدوها كفرا وضلالا أضعف من أن تخلق ذبابة، بل وأضعف من أن تتدخل في مسيرة النظام الطبيعي الذي تعيش به هذه الحشرة الصغيرة ! فإذا ابتلعت الذبابة شيئا كانت تلك الأصنام أضعف من أن تسترجعه وهذا أيضا يستعصي على ما عبدوا تلك الأصنام فكلهم ضعيف لا قدرة له ولا حول ولا قوة لذا يقول رب العزّة والقدرة في سورة الحج/73:"وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذوه منه ضعف الطالب والمطلوب".
ومن أوجه البلاغة القرآنية في الآية الكريمة الإشارة إلى خبرة من الخبرات التي عاشها هؤلاء الكفار واستناد المثل إلى تجاربهم في عبادتهم الفاسدة ، فقد كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران ويغطون رؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب ولكن الذباب على ضعفه كان يتسلل من النوافذ والكوى - الفتحات - ليلعق العسل رغما عنهم وهم إزاءه عاجزون غير قادرين على منعه!