وقد اشترط بعض العلماء في فصاحة الكلام، خلوصه من كثرة التكرار وتتابع الإضافات. وليس الأمر على إطلاقه، فقد يوجد من ذلك في الكلام الفصيح، بل في أفصحه، كما في قوله تعالى: (ذكر رحمة ربك عبده زكريا) ، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم) . والمرجع في هذا إنما هو إلى ثقل اللفظ أو خفته على اللسان.
هذا ملخص ما ذكره البلاغيون في هذا المبحث.
لكن العمدة - عند التحقيق - إنما هي على لحظ تصرفات البلغاء في خطبهم ورسائلهم وقصائدهم، لا على هذه الضوابط الرياضية الصارمة؛ إذ الضوابط عصا الأعمى - فيما قيل) [1] (.
وقد كان العرب الأقحاح في الأعصار المتقدمة يرسلون الكلام على سجيتهم، فيجيء منه كلام بليغ تارة، وأقل بلاغة تارة أخرى. وكان الذوق العربي سليما من عوارض الهجنة، وآثار العجمة. فكان الاعتماد عليه في تمييز البليغ الفصيح من غيره.
ثم جاء من بعدهم فقعّدوا وأصلوا، وكان في ذلك خير كثير. لكن بالغ المتأخرون في تتبع القواعد النظرية، والجمود على القوانين الجاهزة، وأهملوا التطبيق العملي، وإعمال الذوق اللساني البليغ.
فلتكن نظرتنا إذن - في هذا البحث - نابعة من هذا الأصل الذوقي، ولنكن من القواعد على ذُكر، نتطلبها عند الحاجة إليها، حين يخوننا ذوقنا الهائم في سباسب العُجمة.
? موضوع البحث:
موضوع الكلام هو الأحاديث القولية الصحيحة المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلا يدخل في مبحثنا حديث فعلي، ولا تقريري، ولا حديث في صفة الحبيب صلى الله عليه وسلم. والأمر في هذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان.
(1) 4- ... ذكر ذلك الكشميري في (فيض الباري) (4/415) .