الصفحة 140 من 471

فآثر التعبير استعمال (اللام) بدلا من (عند) لأن الباري - عز وجل - قال (أكان للناس) ولم يقل (أكان عند الناس) وعلة هذا الاستعمال أنَّ قوله (أكان للناس عجبا) معناه"أنَّهم جعلوه لانفسهم اعجوبة يتعجبون منها ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء والعجب اليه وليس في قوله (أكان عند الناس عجبا) هذا المعنى" [1] وهكذا اتسم اللام بسمة أسلوبية اختلفت كل الاختلاف عن لفظة (عند) لأنها كانت خادمة للمعنى ومعبرة عنه. وقال تعالى { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى } [2] . فالنص يؤسس سمته الأسلوبية على استعمال (عن) بدلا من (الباء) وكان حريا أن يقول (وماينطق بالهوى) ، وقد ذكر الإمام ابن قيّم الجوزية علة هذا المسلك الأسلوبي فقال"لأن نطقه عن الهوى أبلغ فإنه يتضمن أنّ نطقه لم يصدر عن هو ى ، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به فتضمن نفي الأمرين نفي الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال" [3] فجاءت (عن) بمعنى (الباء) [4] . أي بالهوى . وهذا من أبلغ التعبير في التنزيه ؛ لأنه نزَّه القرآن الكريم عن الهوى بالمصدر الذي يمثل جهاز النطق والكيفية التي يتم بها هذا التبليغ ، وأن جميع الاتهامات توجه في الغالب الى هذين الأمرين [5] . وقال تعالى { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } [6] .

(1) ... التفسير الكبير 17/6.

(2) ... النجم/3.

(3) ... التبيان في أقسام القرآن/155، وينظر: ابن القيم وحسه البلاغي في تفسير القرآن، عبدالفتاح لاشين / 68-69.

(4) ... ينظر: تناوب حروف الجر في لغة القرآن ، محمد حسن عواد /29، التضمين في ضوء الدراسة النحوية ، محمد محمد أحمد عبدالرحمن (رسالة ماجستير) /234.

(5) ... ينظر: البنى الأسلوبية في تفسير قصار السور من خلال جهود المحدثين ، عامر مهدي صالح ( رسالة ماجستير) /117.

(6) ... الكافرون/2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت